يرجع الاهتمام الإسرائيلي بأفريقيا إلى فترة الستينيات من القرن الماضي، مع ظهور الدول الجديدة والمستقلة في القارة. ولما كانت القضية الفلسطينية تعد إحدى المشكلات الدولية الرئيسية في عالمنا المعاصر، فمن الطبيعي أن تكسب رأياً أفريقياً مناصراً، لذا كان على الإعلام الإسرائيلي أن يسرع الخطى نحو أفريقيا لكسب ودها ونيل صداقتها وتأييدها للدولة العبرية في المحافل الدولية. وكما يوضح الدكتور عبدالهادي النجار في كتابه الذي نعرضه هنا، وعنوانه "الإعلام الإسرائيلي في أفريقيا بين الطموح والمواجهة"، فقد تنبّه إعلام إسرائيل إلى أن مصلحتها الأمنية تكمن في تقاربها مع بعض الدول الأفريقية المحورية، ليس فقط لكونها قريبة جغرافياً لفلسطين، وأنما أيضاً من أجل مصالح استراتيجية للدولة العبرية، على رأسها إضعاف الأمن القومي العربي. يتألف الكتاب من سبعة فصول تتناول أساليب تغلغل الإعلام الإسرائيلي في أفريقيا، وأهداف ذلك التغلغل، والعوامل التي ساعدت عليه، والمنطق الدعائي للإعلام الإسرائيلي في أفريقيا، وتقييم نجاحاته، كما تتناول دور الإعلام العربي في أفريقيا، وأهم قنواته، والاستراتيجية الإعلامية الأفرو عربية المطلوبة لمواجهة الإعلام الإسرائيلي في القارة. وقبل ذلك يذكر المؤلف حقيقةً هامةً، ألا وهي كون الإعلام يمثل وسيلة أساسية بالنسبة للسياسة الخارجية الإسرائيلية، كما تعد الاعتبارات الإعلامية عاملاً معتبراً في التخطيط السياسي الإسرائيلي. وقد سبق أن أنشأت إسرائيل وزارة مستقلة للإعلام الخارجي عقب حرب عام 1973، لكن سرعان ما عاد الإعلام إلى وضعه السابق من حيث تبعيته للخارجية الإسرائيلية بإداراتها الثلاث: الإعلام، العلاقات الثقافية، والتعاون الدولي. ورغم القرب الجغرافي لفلسطين بأفريقيا، ورغم أن هرتزل تفاوض مع البريطانيين حول وطن قومي لليهود طارحاً أسماء خمس دول أفريقية، هي أوغندا وموزمبيق والكونجو وكينيا وليبيا، فإن إسرائيل التي قامت عام 1948 لم تكن لها سوى علاقات محدودة بأفريقيا حتى منتصف الخمسينيات، لكن ابتداءً من ذلك التاريخ أخذ يتبلور "الاتجاه الأفريقي" في السياسة الخارجية الإسرائيلية كرد على مؤتمر باندونج (1955) الذي برز فيه دور مصر كزعيمة لأفريقيا. وبعد أن تبلور الاهتمام الدبلوماسي بأفريقيا، ليس مستغرباً أن يلتفت الإعلام الإسرائيلي نحو القارة لكسر سياج الحصار الذي أقامته الدول العربية حول الكيان الجديد، ولتحقيق أوسع الأطماع والمكاسب في أفريقيا. وكما يوضح الكتاب، فإن الهدف الأساسي من توجه الإعلام الإسرائيلي نحو أفريقيا هو اكتساب الاعتراف بالدولة العبرية من قبل الدول الأفريقية، فامتناع هذه الدول عن ذلك يعني التشكيك في شرعية وجود إسرائيل. وفيما يتعلق بأهداف الإعلام الإسرائيلي، يذكر المؤلف أن الدعاية الصهيونية سعت عبر وسائل إعلامها المختلفة، إلى تنمية عقدتي "الخوف" و"التفوق"؛ الخوف من العرب والتشكيك في نواياهم، والتأكيد على التفوق الصهيوني -قيمياً وتكنولوجياً- على العرب. وقد استند الخطاب الإعلامي الإسرائيلي في أفريقيا إلى مفاهيم تشكل جزءاً أصيلاً من أدبيات الدعاية الصهيونية؛ ومنها أن أرض فلسطين هي "أرض الميعاد"، وأن اليهود شعب متفوق، وأنهم أصحاب حق تاريخي في فلسطين... وذلك لترويج الدعائية الصهيونية، وحشد الرأي العام الإفريقي، إلى جانب الادعاءات الإسرائيلية. ويذكر الكتاب عدة أساليب سعى الإعلام الإسرائيلي من خلالها إلى التغلغل في القارة الأفريقية، منها: توزيع الكتب والنشرات والمواد الدعائية في هذه الدول، وانتشار الصحف اليهودية في أفريقيا، ومحاولة الهيمنة على الصحف والصحفيين الأفارقة، وشراء صفحات إعلانية من الصحف الأفريقية، وتوجيه برامج إلى أقطار أفريقيا بلغاتها المحلية، وإنشاء قناة تلفزيونية فضائية موجهة إلى القارة، وعرض أفلام سينمائية إسرائيلية في دول أفريقيا، دعوة واستضافة العاملين في أجهزة الإعلام الأفريقية، الجاليات اليهودية في أفريقيا، البعثات الإسرائيلية في الدول الأفريقية، التوسع في إقامة العلاقات الثقافية والرياضية مع دول القارة، علاوة على استخدام جماعات الضغط المعاونة، وأخيراً شبكة الإنترنت. وخلاصة ذلك الجهد أن الإعلام الإسرائيلي، خاصة الخارجي، نجح إلى حد كبير في تشويه الحقائق التاريخية والوقائع السياسية، بل استطاع إخفاء مشاهد المذابح التي ارتكبتها قواته في فلسطين، مستفيداً من ضعف الإعلام العربي وغيابه وعدم وجود إعلام أفريقي منافس. محمد ولد المنى -------- الكتاب: الإعلام الإسرائيلي في أفريقيا المؤلف: د. عبدالهادي النجار الناشر: المكتبة العصرية تاريخ النشر: 2012