من المعروف أن مجرد وجود اسم بوب وودوارد، الصحفي الأميركي الشهير، صاحب المؤلفات السياسية العديدة، والحاصل على جائزة البوليتزر المرموقة مرتين، ومفجر فضيحة ووترجيت الشهيرة، على غلاف كتاب بات يمثل ضمانة لرواجه وتحقيقه لأعلى أرقام المبيعات، لأن القراء يعرفون أنه ما من صحفي في أميركا كلها لديه تلك الصلات الوثيقة مع الأقوياء والنافذين من النخبة السياسية في واشنطن، ولديه تلك المقدرة الفذة في إقناع أفراد النخبة بالكشف عما لديهم من أسرار، مثل وودوارد. رغم ذلك يرى الكثير من النقاد أن كتابه الجديد الذي نعرضه هنا،"ثمن السياسة"،لا يتمتع بما تتمتع به مؤلفات وودوارد عادة من جاذبية وتشويق: فموضوعه يتركز على المواجهة التي وقعت الصيف الماضي بين أوباما والكونجرس بشأن رفع الحد الأقصى للدَّين الفيدرالي، وهو موضوع باتت كل تفاصيله وأسراره معروفة، ما يحرم وودوارد من أبرز نقاط قوته من ناحية، ويستدعي بالتالي قدراً أكبر من التحليل والدرس، وهما أبرز نقاط ضعفه من ناحية أخرى. ويمكن تلخيص قضية الدين الفيدرالي على النحو التالي: في ربيع 2011 رأى المحافظون المنتخبون حديثاً في مجلس النواب أن التصويت الروتيني وشديد الأهمية مع ذلك، على رفع سقف الدين الفيدرالي، سوف يوفر لهم فرصة ذهبية لفرض أجنداتهم على أوباما والديمقراطيين في مجلس الشيوخ. وعندما بدأت مناقشة الموضوع، كان مصحوباً بمفاوضات ومساومات حاول رئيس مجلس النواب الجمهوري "جون بوهنر" أثناءها التوصل إلى "صفقة كبرى" كان يمكن أن تؤدي لحل المشكلات المالية للحكومة الأميركية خلال العقد التالي. ورغم أن الجهد الذي بذل لرفع سقف الدين الفيدرالي بمقدار ألفين ومائة مليار قد نجح ، فإن المفاوضات الأوسع نطاقاً فشلت. وظل المدى الذي وصل إليه كل من أوباما وبوهنر في مفاوضاتهما، والسبب الذي أدى إلى فشل "الصفقة الكبرى" في المقام الأول، موضعاً لاتهامات متبادلة بين البيت الأبيض والكونجرس لما يزيد عن عام بعد ذلك. والحقيقة أن وودوارد لا يسلط سوى ضوء ضئيل على أي من السؤالين رغم أنه أجرى مقابلتين مع أوباما وبوهنر وكبار مساعديهما، وضمّن كتابه تفاصيل تلك المقابلات وأورد ما سمعه من تصريحات وبيانات بإسهاب كبير، حيث خلص بعد كل ذلك إلى أن رؤية ورواية الطرفين لما حدث تختلف اختلافاً بيناً. ومن ميزات وودوارد، ونقاط قوته كمؤلف، أنه يضع القراء في نفس الغرفة التي يجلس فيها متخذ القرار ليكونوا على إلمام بتفاصيل ما يحدث، غير أن تركيزه في هذا الكتاب على هذه النقطة، جعل الكثير من القراء يشعرون بالملل بسبب التفاصيل الطويلة المملة، والأحداث الرتيبة، وجعله هو شخصياً يغفل عن التداعيات المهمة التي كانت تتم خارج غرفة اتخاذ القرار، وأبرزها أن المحافظين المتطرفين من أعضاء حركة "حفل الشاي" الذين أججوا المواجهة التي حدثت بشأن رفع سقف الدين الفيدرالي بين أوباما وبوهنر في المقام الأول، وحدّوا كثيراً من قدرة الأخير على الفعل بسبب مزايداتهم، لم يرد لهم ذكر في الكتاب إلا قرب نهايته، عندما كانوا يعملون على الحيلولة بين بوهنر وبين تمرير مشروع قراره في مجلس النواب لدرجة أن الكثير من القراء قد يتساءلون: من أين جاء هؤلاء؟ ولماذا أُقحموا على هذا النحو في السياق؟ ويستنتج وودوارد في كتابه أن مباحثات الميزانية، لخفض الإنفاق الفيدرالي على مرحلتين بمبلغ يقارب المبلغ الذي تم رفع سقف الدين بمقداره، فشلت لأن أوباما وبوهنر كانا يفتقران إلى الرابطة الشخصية الوثيقة، والثقة المتبادلة وهما شرطان لازمان لإبرام أي صفقة، وهو يلقي بالجزء الأكبر من اللوم على أوباما حيث يذكر في مطلع الكتاب بعض الروايات عن الكيفية التي قام بها الرئيس الجديد بإقصاء الجمهوريين وقادة الأعمال خلال العامين الأوليين من ولايته، وكيف أن ذلك كلفه الكثير من المتاعب في الكونجرس بعد ذلك. ومن النقاط المهمة التي لم يوفها المؤلف حقها تلك الخاصة بأن عدم رفع سقف الدين المحلي كان ستترتب عليه نتيجة بالغة الخطورة، ألا وهي عجز الولايات المتحدة عن سداد الديون المستحقة عليها لأول مرة في تاريخها وهو ما كان سيؤدي بالتبعية لأضرار كارثية على اقتصادها، كما أن إخفاق أوباما في تحقيق ذلك الهدف، كان كفيلاً بتقويض رئاسته، لأنه كان سيجعله رهينة لدى الجمهوريين في مختلف المسائل والقضايا التي سيحاول تمريرها عبر الكونجرس بعد ذلك. سعيد كامل -------- الكتاب: ثمن السياسة المؤلف: بوب وودوارد الناشر: سايمون آند شوستر تاريخ النشر: 2012