اكتشف علماء الفلك كوكباً جديداً آخر بالقرب من نظامنا الشمسي، لكن مع ذلك لا يتعين على سكان الأرض الشغوفين بتعقب الجديد والمثير في عالم الفلك توقع تنظيم رحلة فضائية قريبة إلى الكوكب المكتشف، فالعالم الجديد الذي اكتشف مؤخراً يبقى بعيداً جداً، حسب الخبراء، بما يفوق قدرة تكنولوجيا الفضاء الحالية على الوصول إليه، بل حتى الاقتراب منه. فقد أعلن الباحثون يوم الثلاثاء الماضي أن الكوكب الحارق "ألفا قنطورس بي بي" الذي يقترب حجمه من كوكب الأرض، يقع في نظام ألفا قنطورس الشمسي الذي يتكون من ثلاثة كواكب، ورغم أن نظام قنطورس الشمسي بكواكبه الثلاثة هو الأقرب إلى نظامنا الشمسي، تظل المسافة الفاصلة بينه وبين الأرض بعيدة جداً بحيث تصل إلى 4.3 سنوات ضوئية، وهو ما يجعل من أي نظرة مقربة لسطح الكوكب مستحيلة في الوقت الحالي لعدم وجود المعدات والتكنولوجيا القادرة على ذلك، فأي بعثة فضائية تنطلق اليوم خارج النظام الشمسي لكوكب الأرض، يقول "جريج لولين" عالم الفلك بجامعة كاليفورنيا، ستستغرق ما لا يقل عن "40 ألف سنة للوصول إلى "ألفا قنطورس"، لذا وبالنظر إلى ميل الإنسان للحصول على نتائج فورية، فإن ذلك لن يقع مع نظام ألفا قنطورس الشمسي". لكن الخبير الذي لم يشارك في عملية الاكتشاف، أكد أن المواقف قد تتغير مستقبلاً إذا ما حصل اكتشاف جديد غير متوقع في النظام الشمسي ألفا قنطورس، ويبدل الآراء؛ كأن يرصد العلماء علامات للحياة على أحد الكواكب التابعة له. والحال أن المشكلة الأساسية المطروحة حالياً أمام العلماء للمضي قدماً في استكشاف النظام الشمسي من خلال رحلة فضائية غير مأهولة، هي بعد المسافة. فمعروف أن سنة ضوئية واحدة تعادل 5.9 تريليون ميل، بمعنى أن الكواكب الثلاثة في نظام ألفا قنطورس تبعد بأكثر من 25 تريليون ميل عن كوكب الأرض. ولوضع هذه المسافة في السياق، يمكن الإشارة إلى مسبار الفضاء "فوياجور1" الذي أطلقته وكالة الفضاء الأميركية (ناسا) في الفضاء، باعتباره أول مسبار من نوعه يقطع مسافات بعيدة عن كوكب الأرض. هذا المسبار قطع حتى اليوم 11.3 مليار ميل في رحلته بالفضاء الخارجي مستكشفاً الأطراف البعيدة لنظامنا الشمسي، لكن رغم هذه الأميال الكثيرة لم يغط المسبار سوى 0.05 في المئة من المسافة التي تفصلنا عن نظام قنطورس الشمسي، علماً أن المسبار أُطلق منذ أكثر من خمسة وثلاثين عاماً. ويضاف إلى بعد المسافة عامل آخر يحول دون الاقتراب من كوكب "ألفا قنطورس بي بي"، ويتمثل في ارتفاع درجة حراراته، فالكوكب لا يبعد سوى 3.6 ميل عن نجم النظام الشبيه بالشمس، بحيث يستكمل دورة واحدة كل 3.2 يوم، لذا يبقى سطح الكوكب حاراً بما لا يسمح بتطور الحياة فوقه. لكن رغم تلك العراقيل، يقول الخبراء إن الأنظمة الشمسية الشبيهة بنظام قنطورس التي تضم كواكب صغيرة ذات سطح حجري عادةً ما لا تكون وحيدة في نظامها الشمسي، بل ترافقها كواكب أخرى، وربما توجد كواكب بعيدة بما يكفي عن النجم المشع الذي يشبه الشمس لتطور أنماط من الحياة فوق سطحها مثل الماء. وفي حال أشارت الاكتشافات اللاحقة إلى احتمالات قوية لوجود حياة على كوكب يدور حول "ألفا قنطورس بي"، أو أحد الكوكبين الآخرين- وهما ألفا قنطورس أيه وبروكسيما قنطورس- فإن ذلك قد يشجع العلماء على تنظيم رحلات استكشافية إلى أعماق الفضاء البعيد. وفي هذا السياق يقول لولين: "ربما أدى هذا الاهتمام المتزايد بالفضاء الخارجي ومحاولات اكتشاف أنماط محتملة للحياة إلى تطوير تكنولوجيا جديدة في مجال الدفع الصاروخي، بحيث يؤدي ذلك إلى تقليص المسافة واختصار الزمن، ومن ثم إمكانية إرسال مسبار غير مأهول إلى نظام "ألفا قنطورس" في فترة لا تتجاوز حياة الإنسان". وفي هذه الأثناء ينكب العلماء على تطوير تقنيات جديدة للوصول إلى الفضاء، مثل الاعتماد على صواريخ تعمل بالطاقة النووية التي قد تطور جيلاً جديداً من أنظمة الدفع فائقة السرعة. ومتى ما أصبحت هذه الأنواع الجديدة من التكنولوجيا متاحة، فإنه يمكن إرسال سفن فضائية لاكتشاف أنظمة شمسية بعيدة، لاسيما نظام ألفا قنطورس الذي يعد الأقرب إلى نظامنا الشمسي". وقد يُدرج ذلك الهدف في إطار "مبادرة مائة عام إلى الفضاء" التي ترمي إلى تمهيد الطريق لإجراء رحلات بين النجوم والكواكب، لذا يرى المهتمون أن كل من يطمح للسفر إلى الفضاء عليه أن يتطلع إلى علماء الفلك، وما إذا كانوا سيكتشفون كوكباً قابلاً للحياة في مكان ما داخل نظام "ألفا قنطورس" الشمسي، وهو ما يعبر عنه "لولن" بقوله "تعتمد كل هذه التطلعات على ما يزخر به النظام الشمسي الجديد من إمكانات غير متوقعة، فلو رُصدت ملامح الحياة على أحد الكواكب التابعة للنظام الشمسي وتبينت إمكانية الحياة فوق سطحه، فلاشك أن أفضل العقول البشرية في مجال تكنولوجيا الفضاء ستتجند للوصول إلى هناك وتستميت في تذليل العقبات التي تحول في الوقت الراهن دون المجازفة بالرحلة إلى عوالم مجهولة". ------- مايك وول كاتب أميركي متخصص في الشؤون العلمية ------- ينشر بترتيب خاص مع خدمة "كريستيان ساينس مونيتور"