اكتشف بعض الإسرائيليين منذ أيام قليلة أن شخصاً ما قد قام بانتهاك قبر موشيه دايان، وزير حربيتهم أثناء حرب أكتوبر 1973، وكتب عليه بخط كبير "وزير التقصير -باسم الضحايا الذين سقطوا". لقد قامت الشرطة بالتحقيق ومن المرجح لدى الصحف الإسرائيلية أن من فعل ذلك سواء كان فرداً أو جماعة ينتمي إلى عائلة فقدت بعض أبنائها في ميادين القتال. بالطبع أظهرت الصحف الإسرائيلية الخبر وصورة القبر وقد تناثرت عليه مع العبارة المذكورة بقع حمراء عديدة رمزاً لتحميل دايان مسؤولية دماء الإسرائيليين التي سفكت في الحرب. وأبرزت صحيفة "يديعوت أحرونوت" تصريحاً لـ"روت" أرملة ديان قالت فيه إنها وقاحة، فكيف لا نترك الموتى يرقدون في سكون. ما يهمنا في هذا الخبر هو الدلالة السياسية بعد مرور 39 سنة على تلك الحرب. الدلالة هي أن أجيالاً إسرائيلية جديدة غير مستعدة لابتلاع المنطق الذي تروجه أبواق الدعاية الرسمية في محاولة لتعديل صورة الهزيمة التي أنزلها العرب بإسرائيل خلال الأيام العشرة الأولى من الحرب قبل أن تتدخل الولايات المتحدة وتنشئ الجسر الجوي الذي راح ينقل الطائرات الحديثة المزودة بأحدث أجيال الذخائر آنذاك، ومن بينها القنابل العنقودية المخصصة لاصطياد جنود المشاة داخل خنادقهم والصواريخ المضادة للدبابات إلى مطار العريش الملاصق لميدان القتال. لقد قال معلق صحيفة "يديعوت أحرونوت" وهو يعرف دايان بمناسبة حادثة القبر، إنه الوزير الذي يتحمل المسؤولية الكبرى عن الفشل الإسرائيلي. لقد اكتسب دايان صورة المحارب الممتاز في أعقاب دوره في حرب 1967 التي هزمت فيها جيوش مصر وسوريا والأردن وأصبحت مقولته شعاراً لكل الإسرائيليين وهي مقولة "شرم الشيخ بدون سلام خير لإسرائيل من سلام بدون شرم الشيخ". كانت تلك الكلمات تلخص موقف تفضيل الأطماع التوسعية والاحتفاظ بالأرض المصرية على تحقق تلك الأمنية الغائرة في الوجدان الإسرائيلي وهي أمنية الحصول على "السلام" مع مصر وسائر الدول العربية. لقد احتفظت القيادات السياسية والعسكرية في إسرائيل بمفهوم رصدته لجنة اجرانات التي شكلت بعد الحرب للتحقيق في المسؤولية. كان هذا المفهوم أن العرب لا ينوون الهجوم ولا يقدرون عليه. وحتى إذا اتخذوا قراراً بهذا فإن إسرائيل قادرة على دحر الهجوم خلال ساعات وبدون أن تضطر إلى جمع قوات الاحتياطي. لقد أدى هذا المفهوم إلى رفض كل محاولات ومبادرات السلام العربية التي بدأت في نوفمبر 1967 بقبول الدول العربية لقرار مجلس الأمن رقم 242 ببنديه الشهيرين، حيث نص أحدهما على عدم جواز الاستيلاء على أراض الغير بطريق القوة المسلحة، وكان موجهاً لإسرائيل، ونص البند الثاني على ضرورة الاعتراف بوجود جميع دول المنطقة داخل حدود آمنة ومعترف بها وكان موجهاً للعرب وبالتالي كان قبولهم به قبولاً للاعتراف بإسرائيل. لقد فضلت القيادة الإسرائيلية أطماعها التوسعية وظنت أنها سترغم العرب على الإقرار بالعجز إلى أن انطلقت المدافع العربية لتوقع حوالي ثلاثة آلاف قتيل وسبعة آلاف جريح بين الضباط والجنود الإسرائيليين وليدفع الشعب الإسرائيلي ثمن مفهوم الحماقة وجنون العظمة لدى قادته. إن حادثة انتهاك قبر دايان في الذكرى التاسعة والثلاثين لنصر أكتوبر العربي تحمل دلالة واضحة بأن الأجيال الإسرائيلية غير مستعدة لابتلاع أكذوبة أن حرب أكتوبر انتهت بنصر إسرائيلي.