رغم العبارات الحادة التي انتقد بها الخصوم إدارة أوباما لأدائها المرتبك بشأن الهجوم على القنصلية الأميركية في بنغازي وتعاملها مع قضايا الشرق الأوسط واللوم الشديد الذي وجهه المرشح لمنصب نائب الرئيس عن الحزب الجمهوري، بول ريان، إلى غريمه جو بايدن في المناظرة التلفزيونية التي جمعتهما خلال الأسبوع الماضي، فإنه من المستبعد أن تلعب قضايا السياسة الخارجية، رغم النقاش الذي أثير حولها في المناظرة، دوراً كبيراً في السباق الانتخابي ما لم تتعرض الولايات المتحدة لهجوم خارجي على غرار 11 سبتمبر يعيد طرح السياسة الخارجية على طاولة النقاش ويبؤها مركز الصدارة في اهتمامات الأميركيين. والحقيقة أن سبب غياب الاهتمام الأميركي الكبير بقضايا السياسة الخارجية يعود إلى جملة من الأسباب والعوامل، أولها ما يشعر به الناخبون الأميركيون حالياً من وطأة الانشغالات الداخلية، لاسيما تلك المرتبطة ارتباطاً وثيقاً بمعيشهم اليومي مثل الوظائف والرعاية الصحية والسكن والمعاشات والتعليم، فهذه القضايا تحتل المرتبة الأولى في اهتمام الأميركيين لتخوفهم من تراجع مستواها بسبب الأزمة الاقتصادية المستمرة وخشيتهم من مستقبل قد لا يكون بنفس درجة رفاه وازدهار السنوات السابقة. وهناك العامل الثاني الذي يدفع الأميركيين إلى الإعراض عن السياسة الخارجية وعدم الاكتراث بتفاصيلها والمتمثل في خوض أميركا لأطول حرب لها على الإطلاق في أفغانستان، فرغم تأهب قوات الحلفاء ومعها الجنود الأميركيين للانسحاب من أفغانستان بمتمم 2014، فإن النتيجة النهائية لن تكون بأي حال من الأحوال ذلك النصر المؤزر الذي كان يطمح له الغرب. فالحرب في أفغانستان لم تفضِ إلى نصر استراتيجي للغرب على غرار الثامن من شهر مايو عام 1945 عندما انتصرت قوات الحلفاء على ألمانيا خلال الحرب العالمية الثانية وأرغمتها على الاستسلام، أو مثلما حصل في 14 أغسطس من نفس السنة عندما استسلمت اليابان، حينها تداعت أميركا كلها لاحتفالات صاخبة تمجيداً للنصر ولانتهاء الحرب نهاية واضحة، لكن أغلب الأميركيين اليوم غير منخرطين بصورة مباشرة في الحرب على غرار ما كان عليه آباؤهم في الحرب العالمية الثانية، ولم يعانوا ما عانوه وقتها من فقدان أقارب لهم في الحرب وخسارة أعزائهم، ذلك أن الجنود الأميركيين في أفغانستان هم من المحترفين الذين تطوعوا في الجيش ومن ثم أرسلوا إلى أفغانستان خلافاً للتجنيد الإجباري الذي ظل معمولاً به في أميركا حتى حرب فيتنام، وما لم يكن أحدهم يعيش بالقرب من قاعدة عسكرية فإن أغلب الأميركيين لا يشعرون بوطأة الحرب ولا بثقلها على حياتهم وتأثيرها المباشر على معيشتهم. ومن المهم التذكير أيضاً في هذا السياق أن إجمالي سكان أميركا في عام 1945 لم يكن يتجاوز 140 مليون نسمة، شارك منهم 13 مليوناً في الحرب العالمية الثانية، أما اليوم فتعداد السكان يصل إلى 330 مليون نسمة، وبمقاييس اليوم شارك حوالي 30 مليون نسمة في الحرب العالمية الثانية، والحال أن الجنود الأميركيين في أفغانستان لا يتعدى قوامهم 70 ألف جندي. وفيما يتعلق بالسبب الثالث والأخير الذي يقلص من اهتمام الأميركيين بالشؤون الدولية والمشاركة في حروب أخرى بالشرق الأوسط، فهو التجربة العراقية التي حفرت في ذهن الأميركيين ذكريات مريرة، فقد لقي أكثر من أربعة آلاف جندي أميركي مصرعهم على الساحة العراقية في حرب وُصفت بأنها كانت اختيارية، ولأن السبب الذي قاد إلى الحرب تعدى مسألة التخلص من صدام حسين إلى نشر الديمقراطية والحرية في منطقة الشرق الأوسط، فإن النتيجة الفاشلة لتلك المغامرة لا تشجع على تكرارها. وحتى الحراك الذي يشهده العالم العربي ومطالب الحرية والكرامة التي رُفعت في "الربيع العربي" لم تكن بسبب غياب صدام حسين عن الساحة، ولا بسبب تدخل أميركا في العراق. والأكثر من ذلك يبدو التدخل الأميركي في العراق استثماراً سيئاً بالنظر إلى ما أسفر عنه من وصول كتل سياسية موالية لإيران إلى الحكم في بغداد وسقوط العراق بأكمله في دائرة النفوذ الإيراني. وباختصار لا شهية لدى الأميركيين اليوم للانخراط في حرب أخرى في وقت يحتاج فيه الداخل الأميركي للاهتمام، فالبنية التحتية في الولايات المتحدة تحتاج إلى استثمارات هائلة لتطويرها كي تصبح لائقة بالقرن الحادي والعشرين، لاسيما أن الطرق والسكك الحديدية وشبكة الكهرباء ونظام المياه والصرف الصحي باتت في حالة يرثى لها، هذا بالإضافة إلى ما تحتاجه المدارس الحكومية من تدارك وإصلاح. ورغم التعاطف الكبير الذي يبديه الأميركيون تجاه الغير مثل نضال النساء في أفغانستان ضد "طالبان" ومطالبتهن بحقوقهن، فإن الأميركيين يودون مساعدة من هم في أمس الحاجة داخل الوطن، مدركين أن أميركا لا تستطيع الاستمرار في ممارسة دور شرطي العالم المستعد دائماً للتدخل وتوفير الخدمات للملايين الذين يعيشون في الفقر. وبالطبع لا يعني ذلك أن أميركا ستتخلى عن التزاماتها في الشرق الأوسط وآسيا، لكن سيكون على الرئيس المقبل التعامل مع أزمة مالية خانقة في الداخل لا شك أنها ستؤثر على موازنة الدفاع وبالتالي على إمكانية التدخل في مناطق العالم المختلفة. ومع ذلك لن تتردد أميركا في التدخل إذا ما تعرضت مصالحها الأمنية لتهديد خارجي، بحيث تظل هذه الأخيرة الخط الأحمر الذي لن تسمح واشنطن، مهما كانت الإدارة التي في السلطة، بتجاوزه. وحتى لو امتلكت إيران قنبلتها النووية، فإن ذلك لن يدفع أميركا بالضرورة للتدخل العسكري، لاسيما إذا كان هذا التدخل سيؤدي إلى ارتفاع صاروخي في أسعار النفط وغرق أميركا من جديد في ركود اقتصادي مزمن. وما لم يتحسن الوضع الاقتصادي في أميركا وأوروبا ستبقى كلفة التدخل العسكري في مناطق العالم المختلفة مرتفعة إلى درجة لن تشجع على المغامرة، أو التفكير في استخدام القوة.