من غرائب السياسة الإسرائيلية في تعاملها مع عملية السلام المتعثرة، بل التي تأخرت أجندتها بسبب ما يدور من أحداث في العالم العربي، أنها تشد الحبل على الأطراف الأخرى عندما ترى بريق أمل في التسوية ،خاصة في هذه الأيام التي بدأ فيها الملف الفلسطيني يطرح نفسه من جديد على الجمعية العامة للأمم المتحدة للحصول على عضويتها كمراقب، بعد أن فشلت مساعيها في مجلس الأمن، وحتى عندما حصلت على عضوية اليونيسكو فإن أميركا كانت أول دولة توقف حصتها في هذه المنظمة الدولية، كرد فعل أولي على تلك الخطوة الفلسطينية وعقاباً لها بذلك. والذي يستمع إلى تصريحات بعض زعماء إسرائيل قد يظن أنهم حمائم سلام والعرب دعاة حرب، مع أن مبادرة السلام العربية الشاملة قبرتها إسرائيل، ولم تلتفت إليها ولو بخطوة إلى الأمام من أجل إنهاء الصراع في المنطقة برمتها. ولا تتحدث إسرائيل إلا عن حماية أمنها ممن لا نعلم، فهي آمنة منذ عقود، ولم يحدث لأي دولة عربية لها مصلحة ببقاء منطقة الشرق الأوسط آمنة مستقرة أن أطلقت رصاصة عليها ولو عن طريق الخطأ، أما العمليات التي تقع من قبل الأطراف الفلسطينية في الداخل الإسرائيلي فإن ذلك يحصل من وحي الاحتلال، فحتى تلك الجبهات التي تشتعل حيناً وتخمد أحايين أخرى لم تحارب إسرائيل مباشرة، أي بشكل عام أمنها الحقيقي لم يُصب حتى الآن في مقتل. فإسرائيل التي تزعم أن يدها ممدودة للمصافحة، هي في ذات الوقت تهدد من يصافحها باليد الأخرى الضاربة، وهذا ما أكده موفاز زعيم المعارضة الإسرائيلية، عندما قال: "سوف تحتفظ إسرائيل لنفسها بحق العمل بكل طريق من أجل حماية أمن مواطنيها، من يرفض مصافحة يدنا الممدودة ليعلم أنه يمكن لهذه اليد أن تضرب أيضاً". والمتابع لما يجري في أجزاء من العالم العربي من أحداث، فإنها لم تمس إسرائيل بكلمة مسيئة، ولم يطالب الجماهير التي خرجت إلى الساحات للمطالبة بحقوقها الداخلية من قبل أنظمتها، وبالذات ما يحدث اليوم في سوريا، وهي التي تعاني احتلالاً للجولان طويل المدى لم يطرح أحد خروج المحتل حتى تُسوى الأمور التي انفلتت في الداخل السوري، فأين مبررات إسرائيل في شبهة تهديد أمنها وأمن مواطنيها، وأن من يقتل اليوم في سوريا وفي غيرها من مناطق التوتر هم أفراد الشعب ولم يربط أحد مشكلات الداخل بالعدو المتربص في الخارج. ومن ثم، فإن إسرائيل هذه الأيام أكثر اطمئناناً على أمنها لأنها لم تجد في الجماهير الغاضبة أمراً يقلقها، ولذا فإنها آثرت الصمت وعدم اتخاذ أي موقف تجاه ما يجري من أحداث في الدول التي تغيرت أنظمتها. وقد تفرغت إسرائيل في هذه الفترة للنووي الإيراني وعاشت وعيَّشت العالم في سجال حول ضرب إيران منفردة، أو بالمشاركة مع أميركا التي لا تزال تمارس دبلوماسية الضغوط الاقتصادية من أجل تجنب أي تلويح بالحرب في هذه السنة الانتخابية التي يصعب فيها اتخاذ أي قرار من هذا القبيل قبل معرفة الرئيس القادم للولايات المتحدة الأميركية. ومَن يعرف حقيقة السياسة الإسرائيلية يجد أن يدها التي تضرب بها أطول بكثير من اليد التي تدعي أنها تريد بها فعل المصافحة. فهي اليد التي سرقت فلسطين منذ أكثر من ستة عقود، وهي ذاتها التي طالت لبنان والعراق وتونس والسودان وغزة، ولا تزال تخطط لضرب آخرين وإن لم تحدد الزمن والكيفية، فالمصافحة هي جزء من عملية التحضير للضرب الذي قد نفاجأ به.