مع سيولة الموقف بعد ثورات "الربيع العربي" وحتى فوضويته، هل الصورة دائماً سوداء؟ ماذا يقول الأدب العالمي وتجربة الواقع في تونس أو مصر؟ طلبت من زميلة حالياً في تونس أن تراقب الحالة الانتقالية، تحدياتها وسبل مواجهتها لتقليل الخسائر وتعظيم المكاسب في مرحلة المخاض الصعبة هذه، وكان الهدف من تكليفي لها بالمهمة عبر عدة أسئلة محددة هو محاولة اكتشاف وجود أنماط محددة لهذه المرحلة الانتقالية. إذا كانت الإجابة بالإيجاب، فعلينا إذن أن ننظر أيضاً إلى تجارب الآخرين الذين سبقونا على هذا الطريق، خاصة إذا كانوا يتكلمون عن بلاد تماثل البلاد العربية سياسياً أو اجتماعياً، سواء في أفريقيا أو آسيا أو أميركا اللاتينية. وفي انتظار نتائج البحث الميداني لزميلتي في تونس، ننتظر أيضاً هنا في القاهرة أبرز المتخصصين عالمياً في تحليل المرحلة الانتقالية، البروفيسور فيليب شميتر، وهو أستاذ عالمي فعلاً، فهو من أصل فرنسي سويسري، وبعد دراسته البكالوريوس في جنيف، ذهب ليكمل دراسته العليا في جامعة كاليفورنيا ميركلي الشهيرة. ثم عمل لمدة 12 عاماً أستاذاً في جامعة شيكاغو، ثم انتقل إلى جامعة ستانفورد حيث تعمل كونداليزا رايس، وزيرة الخارجية الأميركية السابقة، وبعد 16 عاماً عاد إلى موطنه الأوروبي ليدرّس في عدة جامعات في نفس الوقت، مثل الجامعة الأوروبية في فلورنسا بإيطاليا وجامعة أوروبا المركزية في بودابست بالمجر. هو إذن يتكلم عدة لغات من الفرنسية والألمانية إلى الإسبانية والبرتغالية والإيطالية. وبسبب هذه المؤهلات المتعددة وقدرته اللغوية يمكن الوثوق فعلاً بمصداقيته العلمية العالمية في إجراء بحوثه الميدانية. وفي حديث تليفوني قبل وصوله القاهرة، أصر شميتر على عدة نقاط قد أعالجها فيما بعد، وكانت إحداها إصراره على أن الشعوب تدرك سهولة المرحلة الانتقالية (من)، أي المرور من النظام القديم، لكنها لا تدرك صعوبة المرحلة الانتقالية (إلى)، أي الانتقال إلى النظام البديل أو الجديد، وبالتالي تقلل من تكاليف هذا الانتقال، ثم تشعر بالتبرم والإحباط لعدم تغيير الوضع بسرعة والحصول على مكتسباته. حالة السيولة إذن في المرحلة الانتقالية قد تطول، وقد تجد في الطريق الكثير من العثرات التي ينبغي تخطيها. هذا ما قالته أيضاً زميلتي في تونس -عبر الهاتف- عن النتائج المبدئية لزياراتها الميدانية هناك. كان رأيها أن نفس المشاكل التي تواجهها مصر هي المشاكل التي تواجهها تونس، مثلاً الاستقطاب بين القوى السياسية، محاولة الجماعات الإسلامية "التكويش" على المسرح السياسي بعد طول حرمان وحتى سجن، اضطراب الحالة الأمنية، تخبط أجهزة الإعلام، استمرار تدهور الوضع الاقتصادي، وتزايد الشعور تبعاً لذلك بالإحباط في الشارع. هناك فرق واحد لاحظته زميلتي في تونس، وهو أن سكان مصر تسعة أضعاف سكان تونس، وبالتالي تكون مشاكل مصر على هذا المستوى ليست فقط متعددة ولكنها أيضاً تظهر بصورة مكبَّرة، فتصبح مصر "النظارة المعظمة" للحالة الانتقالية العربية. هل معنى هذه التحديات والصعوبات أن المرحلة الانتقالية قد فشلت وأننا يجب أن نرضى بالوضع الحالي، أو حتى إلغاء عملية التغيير كلياً؟ في نظري أن المطلوب عكس ذلك، فطالما أن التغيير هو سنّة الحياة، يصبح السؤال الأهم هو حول كيفية التجاوب مع هذا التغيير! مشكلة النظام السوري -مثلاً- أنه لا يعرف كيفية التجاوب مع التغيير إلا بقوة السلاح، ولو استطاع إفناء شعبه فسيفعل، معتقداً أن غالبيته من "الإرهابيين والعملاء". كذلك سخر القذافي من شعبه وردّ هازئاً على إعلامية الـ"سي إن إن"، كريستيان أمانبور، قائلاً بأنها لا تفهم كيف شعبه يحبه ومقدار هذا الحب. لكن أفراداً من هذا الشعب قتلوه ونكلوا به بعد ذلك بشهور. مشكلة القذافي والأسد هص انفصالهما عن القاعدة الجماهيرية وعدم معرفتهما كم هي تغيرت. مواجهة التغيير وكيفية التعامل معه هما التحدي الأكبر، والمرحلة الانتقالية تجسيم لعملية التغيير ومحاولة حل معضلته، ورغم قصر الوقت في تعلم مواجهة هذا التغيير، فالنتيجة إيجابية. ولنأخذ مثلاً واحداً على هذا، وهو ما حدث الأسبوع الماضي في تقييم رئيس الجمهورية المصرية -وهو أول مدني منتخب منذ 60 عاماً، بل حتى إعطائه درجات في دولة يرتبط فيها منصب الرئيس باسم الفرعون الذي كان بدوره يرتبط بنوع من الألوهية. إن خضوع رئيس الجمهورية لمثل هذا التقييم بل وإعطائه درجات يشكل بالتأكيد تغيراً كبيراً في التوجه نحو السلطة وما يسمى القيم السياسية الجديدة التي تحكم المجتمع بجميع فئاته. وبالطبع فقد اختلفت درجات التقييم حسب القطاعات، من عودة الأمن إلى الشارع، إلى إزالة القمامة، إلى دعم الخبز أو الوقود، بل حتى اختلفت نتائج الاستطلاعات، ولكن كان أهمها استطلاع مؤسسة مسح الرأي العام المتخصصة "بصيرة". وهكذا تم تقييم عمل الرئيس طبقاً لوعوده ونتيجة عمله، وأصبح ما يعتبر تاريخياً "فرعوناً" عرضةً للمساءلة والمحاسبة المستمرة... أليس هذا تغييراً جذرياً في العلاقة بين السلطة والمجتمع؟ بل ويثبت أن الحالة الانتقالية -رغم تحدياتها ومشاكلها- بدأت تأتي ببعض النتائج؟