يتساءل الكثيرون، في مجال مقارنة أحوال العالمين العربي والإسلامي بالغرب، لماذا نجد في بعض تلك البلاد أحزاباً مسيحية قوية تشارك في الحياة السياسية والحكم، وتلعب دوراً بارزاً في الحياة الاجتماعية والثقافية، وقد يترشح من بين صفوفها رؤساء لتلك الدول وحكوماتها، بينما السلطات في الدول العربية والإسلامية تشهد معارك طاحنة مع الجماعات الإسلامية، وتتعرض الأحزاب الدينية للمنع والملاحقة في كل مكان؟ ولماذا لم تصل الأنظمة من جانب والأحزاب الإسلامية إلى تفاهم ما في مجال المشاركة ضمن الحياة السياسية؟ سمع الكثير منا بلا شك بالحزب الديمقراطي المسيحي في ألمانيا وإيطاليا مثلاً، غير أن التجربة "المسيحية-الديمقراطية" أكثر تنوعاً وانتشاراً مما يعتقد المرء في الوهلة الأولى. فهناك أحزاب مسيحية ديمقراطية كذلك في النمسا وسويسرا ولوكسمبورغ والمجر والنرويج وفنزويلا وشيلي والسلفادور وحتى في مالطة! إن إلقاء نظرة عامة تمهيدية على بدايات هذه الأحزاب، عملية مفيدة لتطوير رؤية واقعية نحو التعامل مع التيار الإسلامي، ولعلها مجرد بداية لحوار في الديمقراطية والتعددية... طويل.
تأسس الحزب المسيحي الديمقراطي CDU في ألمانيا عام 1945، بهدف جمع كلمة الكاثوليك والبروتستانت تحت مظلة تنظيم سياسي محافظ واحد. وقد توفرت للحزب زعامة قوية، جمعت بين وضوح الرؤية والكفاءة الفنية الاقتصادية العالمية، ممثلة في شخص "كونراد أديناور" الذي ارتبطت "المعجزة الاقتصادية" الألمانية باسمه. وقد أصبح الحزب من أقوى الأحزاب في ألمانيا عام 1949وانتُخب زعيمه أديناور مستشاراً لألمانيا في ذلك العام، واستمر في هذا المنصب حتى عام 1963. وخلال تلك الفترة، وتحديداً في عام 1957، حصل الحزب على أغلبية مطلقة في البوندستاج -أي البرلمان- واستمر في السلطة حتى عام 1969، انتقل بعدها إلى المعارضة، لكنه عاد إلى السلطة من جديد منذ عام 1982. وهو حزب محافظ يرفع شعار "القانون والنظام"، ويؤكد على الفضائل والقيم الدينية وعلى دور الأسرة في المجتمع الألماني. أما فيما يتعلق بالقضايا العامة، فقد بلور الحزب ما أسماه باقتصاديات السوق الاجتماعي، أي تنظيم الاقتصاد على أساس آليات السوق، وعدم تدخل الدولة إلا في أضيق الحدود الممكنة، ولكنه اعترض على الإسراف في برامج الرفاه الاجتماعي. وعلى صعيد السياسة الخارجية اتخذ موقفاً متشدداً من الدول التي تعترف بألمانيا الشرقية، وأكد دوماً على ضرورة الوحدة الألمانية وعمل على دعم الروابط الألمانية مع أوروبا الغربية ومع الولايات المتحدة في إطار حلف الأطلسي. واعترض، وهو في المعارضة، على سياسة التقارب والانفتاح على أوروبا الشرقية الشيوعية Ostpolitik، لكنه قبل بنتائجها بعد ذلك وحاول البناء عليها.
وفي ألمانيا كذلك "الحزب المسيحي الاجتماعي" CSU، ويعتبر بمثابة التوأم للحزب المسيحي الديمقراطي، ولكن في إطار ولاية بافاريا، ولا يختلف هذا الحزب عن شقيقه إلا في تأكيده على التقاليد البافارية، وقد حصل عام 1974 على 62% من مجموع الأصوات في بافاريا، وهو رقم لم يحصل عليه أي حزب، وأصبح هو حزب الدولة البافارية، التي هي بالطبع من أهم أجزاء ألمانيا الاتحادية. أما في إيطاليا، فقد تأسس الحزب المسيحي الديمقراطي عام 1943 من عدد من الجماعات الكاثوليكية التي لعبت دوراً نشطاً أو شبه نشط في مقاومة الفاشية. وكانت أول محاولة لإقامة حزب سياسي كاثوليكي قد تمت عام 1919 على يد القس "لويجي ستوروز"، حين أعلن عن قيام "الحزب الشعبي"، وركز على القضايا الاجتماعية، وكانت له نكهة يسارية. وحل محله عام 1921 في قيادة هذا الحزب دي جاسبيري الذي أصبح هو نفسه أول زعيم للحزب المسيحي الديمقراطي. وتمكن الحزب من تجميع معظم القوى المناهضة للشيوعية من كافة الفئات الاجتماعية، وانتهج سياسة محافظة على الصعيدين الاقتصادي والاجتماعي. وعلى الصعيد الخارجي لعب الحزب وقياداته في السنوات الأولى بعد الحرب العالمية الثانية، دوراً مهماً في ربط إيطاليا بحلف شمال الأطلسي والجماعة الاقتصادية الأوروبية. وقد اتجه الحزب بعد عام 1963، تحت تأثير قائده "الدو مورو" إلى الانفتاح على اليسار، وتحالف مع الحزب الاشتراكي، لكن هذا التحالف لم يكن لصالح الحزب الاشتراكي، وأدى على العكس إلى زيادة أهمية الحزب الشيوعي كحزب معارض. وبسبب كثرة الفضائح وتفشي الفساد اضطر الحزب مع بداية الثمانينيات أن يتخلى عن منصب رئاسة الوزارة لصالح الأحزاب الصغيرة.
وتعود أصول الحزب الاجتماعي المسيحي البلجيكي إلى عام 1884، عندما قام الحزب الكاثوليكي رسمياً، وأصبح هو الحزب المسيطر على الحياة السياسية في البلاد خلال ثلث القرن التالي وما زال من بين أقوى الأحزاب. وقد غير الحزب اسمه عام 1945 ليتحرر من سجن الطائفية وينفتح أكثر على الأفكار التقدمية وشارك في كافة الحكومات الائتلافية، غير أنه انقسم عام 1968 إلى حزبين مستقلين على أساس لغوي، فرنسي وهولندي. ويغلب على الأول الطابع المحافظ في حين يغلب على الثا