ناقشنا في مقالة سابقة العلاقة بين الأحداث المتفجرة الآن في سوريا (خصوصاً في وجهها العسكري الأمني)، وبين الفكر السياسي، ويمكن طرح المسألة بالصيغة التالية المحددة: ما دور الفكر السياسي في تلك الأحداث؟ هل هي علاقة إيجابية فاعلة بينهما وعلى الأخص بصيغة تأثير هذا الفكر المذكور على الأحداث المعنية؟ وقد لاحظنا أن هنالك من يرى في الفكر السياسي العربي عبئاً إضافياً على مجموعات الشباب الذين يرفعون السلاح في وجه النظام، اعتقاداً بأنه سيوقعهم "في ما لا يعنيهم"، بل كذلك - وحسب البعض الآخر- لأن هؤلاء الشباب هم أقل من أن ينشغلوا بما هو "من شؤون الفكر السياسي النظري" الذي "له أهله" من الحزبيين والسياسيين سابقاً وراهناً. في هذا المعقد من المسألة ينبغي الإشارة إلى أن المعني هنا بالفكر النظري الأيديولوجي إنما يتعلق بما يُعتبر الآن معضلات تقف عائقاً في وجه الحفاظ على مفاهيم وقضايا الديمقراطية والتعددية والوطنية، وتقود إلى مفاهيم ضارة في الوضع السوري الراهن، مثل الطائفية والمذهبية الدينية والنزعة التقسيمية، الموافقة على التدخل العسكري على أيدي مجموعات خارجية ولكن (لصالح السكوت على مجموعات أخرى تتحدر كذلك من الخارج)، وإذا كان الأمر يتطلب تناول المسائل عبر أمثلة واقعية فاعلة تظهر أحياناً ويُسكت عليها أحياناً أخرى، فإننا هنا نجد مسألة التدخل الأجنبي - مع غيرها - في مقدمة تلك المسائل المهمة والجديرة بالفحص والمعالجة، برؤية موضوعية دقيقة. لقد انطلقنا نحن مع آخرين من لاءات محددة هي: لا لسلاح الموت، ولا لاعتقال المعارضين السلميين، ولا لدعاة احتكار السلطة والإعلام، ولا للعابثين بالقانون والثروة الوطنية والفاسدين والمفسدين، ولكن كذلك لا للتفرد بطرح الحلول للخروج من دوامة الموت في سوريا، إضافة إلى رفض الحرب الطائفية والأخرى الأهلية، وأخيراً لا آخراً لا للاستقواء بالخارج سواء سُمي باسم أو آخر. وعلينا أن نشدد ها هنا على ما يصل إلى صيغة القانون السياسي، وهو إن الاستبداد يستجلب الأغراب من الطامعين بسوريا الوطن، ولذلك فإن البنية الداخلية في بلد أو آخر، هي التي تستجلب الغزو الخارجي، حين تكون هشة مخترقة على امتداد عقود، ولنذكر الآن، بما ذكرنا به مراراً، وهو قول كولن باول وزير الخارجية الأميركية الذي وجهه إلى سوريا غداة سقوط بغداد الغالية، وذلك بصيغة التحذير الوقح، قال: على دمشق أن تُتقن الدرس البغدادي، وقد تحدثنا نحن عن ذلك في الإعلام السوري وغيره، ليأتي الكاتب السياسي الغربي باتريك سيل، ويستشهد بتحذيرنا للمعنيين السوريين، حيث قال: لقد حذر الأستاذ الجامعي طيب تيزيني الحكومة السورية مما سيترتب على سقوط بغداد (وينبغي الإنصات لصوت العقل الوطني التاريخي). والآن يأتي عدد من المسؤولين في الداخل ليتحدثوا عن مساعدات روسية وإيرانية ضرورية لإنهاء الأزمة السورية، حتى لو أدخلوا إلى البلد سلاحاً وعتاداً ورجالاً، هذه المسألة كما تُطرح سورياً، تثير عدة ملاحظات: القول بحماية الممانعة ضد إسرائيل، لا يُلغي القول بحماية الانتفاضة أو الثورة السورية، بل يتعانق معها استراتيجياً، ومن ثم إذا أريد للمقاومة الممانعة أن تنتصر فينبغي أن يكون الموقف من الانتفاضة والثورة السورية معها وليس ضدها، ويهمنا من هذا كله ما ينبغي التأكيد عليه هنا، وهو إن الفكر الوطني النظري يمثل الآن بوصلة ضرورية للعمل العسكري، بل كذلك لحمايته وتطويره وضبطه من الأخطاء.