على رغم أن فن الدعاية والإعلان وُجد قديماً في المجتمعات البشرية، إلا أنه تطور مع الثورة الصناعية وزيادة الأنشطة الاقتصادية والتجارية في المجتمعات الحديثة، حيث تطلب الأمر إيجاد طرق مبنية على أسس علمية لتحفيز السلوك الاستهلاكي الجمعي وما يمكن من تسويق الإنتاج الصناعي الكبير. وقد أصبح الإعلان اليوم من الأنشطة التي لا غنى عنها في الصناعة والتجارة وليس فقط لكافة الأنشطة الاقتصادية وإنما أيضاً أصبحت أنشطة الدعاية والإعلان ضرورية للمؤسسات والمنظمات الحكومية وغير الحكومية، حيث تعمل من خلالها على إبراز جهودها كي تحصل على الدعم المجتمعي أو التمويل اللازم لاستمرارها في عملها وأدائها لرسالتها. وبما أن الإعلان علمٌ وفنٌّ، فإنه يستوجب مراعاة الثقافة السائدة والعادات المجتمعية، وألا يكون الإعلان سواء كان مرئياً أو مسموعاً أو مقروءاً مجرد "قص ولصق" للإعلان الذي ينشر في مجتمع آخر له قيم مختلفة، وبالتالي فإنه لا يمكن لهذا الإعلان الذي نجح في ذلك المجتمع أن ينجح هنا. ويُذكر في هذا المقام على سبيل المثال أن مندوباً أجنبياً لإحدى شركات المشروبات الغازية قام بنشر إعلان في مطبوعة عربية للترويج للمنتج، ووضع من اليسار صورة لشخص مرهق في الصحراء وقد بلغ به العطش مبلغه، وفي الوسط صورة الشخص وهو يشرب المنتج الغازي، وعلى اليمين صورته وهو مفعم بالحيوية والنشاط... إلا أن هذا الإعلان أحدث رد فعل عكسياً! واكتشف بعدها هذا المندوب أن القراء فهموا الرسالة معكوسة كون العرب يقرأون من اليمين إلى الشمال. هناك إعلانات تظهر في وسائلنا الإعلامية بين الفينة والأخرى تدل على أن الذي قام بوضع فكرة الإعلان وتصميمه شخص لا يفقه شيئاً عن ثقافة المجتمع، أو أنه يتعمد الابتذال في عرض رسالته الإعلامية بزعم أن صدم المتلقي عند كسر "التابو" أو المحرمات المجتمعية سيحقق في المقابل نجاحاً بتوصيل رسالة الإعلان باستخدام المنتج المقصود، مثل الإعلانات التي تظهر فيها سيدة تتراقص مبتهجة لأنها استخدمت فوطة صحية معينة، أو إعلان لآخر استخدم إحدى حبوب المنشطات الجنسية. ومع تطور وسائل الاتصال الحديثة وظهور طرق وأساليب جديدة للإعلان سواء عن طريق الإنترنت والبريد الإلكتروني أو الرسائل النصية والوسائط المتعددة، فإن المعلن قد يجد السبيل إلى الوصول إلى المستهلك بشكل مباشر وغالباً دون موافقته وأحياناً حتى رغماً عنه! وكثيراً ما تصل إلى الشخص رسائل إعلانية لغرض الترويج لمنتجات مزودي خدمة الاتصالات أو لجهات أخرى تعرض منتجاتها عن طريق الرسائل النصية، مما يشكل مصدر إزعاج للكثيرين، وعلى رغم الانتقادات الكثيرة لهذه الأسلوب الإعلاني، إلا أن بعض الشركات المزودة للخدمة تصر على الاستمرار في هذا الأسلوب الإعلاني المزعج. وهناك أساليب إعلانية لا تقل إزعاجاً وهي قائمة أساساً على إحراج الشخص المستهدف بغية إقناعه بشراء منتج معين. ويتبع هذا الأسلوب مندوبو بعض الشركات التي تروج لمنتجات منزلية عند مرورهم على المنازل لعرض المنتج "الخارق" أمام ناظري أفراد الأسرة، وتبيين قدراته الفائقة، وأن هذا المنتج كفيل بأن يغير حياتك إلى أفضل ما يكون. وبعد ساعة من العرض والشرح يفاجئك بالسعر الباهظ للجهاز، والكثير من الأشخاص يُحرجون من ردّ المندوب خالي الوفاض بعد أن دخل بيتهم وقضى وقتاً معهم. فيبادر بعض هؤلاء إلى شراء الجهاز حتى وإن لم يكن مقتنعاً به، أو أنه لا يحتاج إليه أصلاً. نفتقد إلى وجود جمعيات مهنية ترتقي بالممارسات الإعلانية وتخلق وعياً لدى المعلنين بشأن احترام عقلية المستهلك، وضرورة مراعاة قيم المجتمع في الإعلانات، وتنظر أيضاً في شكاوى المستهلكين ضد تجاوزات المعلنين. إن مثل هذه الجهات المهنية من شأنها أن تضبط الانفلات الحاصل في السوق الإعلاني وتحدد ما هو مقبول أو غير مقبول في العمل الإعلاني، وحتى لا تصبح الغاية من الإعلان استهداف ما في جيوب الناس بأي طريقة.