كثيراً ما كان محللو النظام العربي يقولون إن أنماط التحالفات فيه دائمة التغير لا تستقر على حال بعينه، وكانوا يفسرون انتقال دولة من حلف إلى حلف مضاد بمنتهى اليسر بعدد من العوامل منها مثلاً غياب "عداوات تاريخية" بين الدول العربية إلا فيما ندر، بل لعل العيش المشترك للأقاليم التي أصبحت الآن دولاً لقرون طويلة في ظل إطار سياسي جامع قد عزز من هذا العامل، ومنها أيضاً نمط الحكم الفردي السائد في الوطن العربي والذي كان يسهل انتقال دولة من معسكر إلى آخر وفقاً لرؤاها وربما الأمزجة الشخصية والمصالح الذاتية لحكامها، ومنها كذلك سرعة تغير نظم الحكم في مرحلة من مراحل تطور النظام العربي مما يجعل عدو الأمس صديق اليوم، وأخيراً وليس آخراً ينبغي ألا ننسى أن واحداً من أسس العلاقات الدولية عامة مؤداه أنه لا وجود لأصدقاء دائمين أو أعداء دائمين وإنما العبرة بالمصالح. في هذا الإطار يمكن من خلال تتبع خريطة التحالفات المتغيرة في الوطن العربي أن نكتشف بسهولة أن هذه الخريطة قد شهدت محاولات جادة لبناء تحالف عربي عام كما في أيام معركة حلف بغداد في منتصف خمسينيات القرن الماضي، وفي أعقاب هزيمة 1967، وفي ملحمة أكتوبر 1973، غير أن هذه المحاولات كانت تنتكس عادة للمرحلة السابقة عليها ليحل محلها أساساً تحالفان متضادان ظلت مصر حتى 1967 تقود أولهما فيما عرف بمعسكر الثورة وتقود السعودية ثانيهما تحت رايات المعسكر المحافظ. وكان منطقياً في هذا الإطار أن تنشب حروب عربية باردة كادت أن تتحول إلى ساخنة في بعض الأحيان، وكانت نهايات هذا الصراع العربي- العربي تحين عادة بظهور خطر خارجي جسيم يهدد الوطن العربي وأمنه، كما في انتهاء الحرب الباردة العربية في أواخر الخمسينيات وأوائل الستينيات بعد تأكد خطر المشروعات الإسرائيلية لتحويل مجرى نهر الأردن ودعوة الرئيس عبدالناصر لعقد قمة عربية عاجلة للنظر في هذا الأمر الخطير. وكما في انتهاء الحرب الباردة العربية أيضاً في منتصف الستينيات بمجرد وقوع هزيمة يونيو 1967، وكما في تراجع مؤشرات الانقسام العربي الحاد حول أزمة الخليج الثانية (1990) بعد أن وصل نتنياهو للمرة الأولى إلى سدة الحكم في إسرائيل، وهو من هو في معسكر اليمين الإسرائيلي بالغ التطرف، وقد أسرع في التملص من اتفاقيات أوسلو والتزاماتها. ولكن الانقسام العربي غير المسبوق حول الغزو العراقي للكويت في 1990 بدأ يمهد بالتدريج لخريطة جديدة من التحالفات تقسم الوطن العربي إلى شطرين: أولهما ما عرف بمعسكر الدول المعتدلة، وهي الأكثر عدداً والأقوى علاقة بالولايات المتحدة وسياستها، ومعسكر الدول الممانعة وهي الأقل عدداً والأشد رفضاً لتلك السياسة. وكان أساس هذا المعسكر هو سوريا التي رفضت المقولات والممارسات التي استند إليها العرب في محاولتهم تسوية الصراع مع إسرائيل بالاستفادة من علاقتهم الطيبة بالولايات المتحدة دون جدوى. ومع سوريا اصطف لبنان حيناً من الوقت أثناء وجود القوات السورية على أراضيه، وكانت دولة أو اثنتان أو ثلاث دول تدعم هذا المعسكر وفقاً للظروف المتغيرة، ولا ننسى انضمام "حزب الله" إليه ودوره الفاعل فيه طالما أن العلاقات الدولية أصبحت تشهد على نطاق واسع دخول "الفاعلين من غير الدول" إلى ساحة التفاعلات والتأثير فيها، ويلاحظ أن "حركة حماس" كانت عضواً مهماً في معسكر الدول الممانعة، غير أنها آثرت الابتعاد التدريجي عنه بعد تطورات "الربيع العربي" أملاً في تحالف أقوى تدخل فيه مع الدول ذات نظم الحكم التي تسودها قوى إسلامية وعلى رأسها مصر. ثم وقعت تطورات "الربيع العربي"، فسقط النظام الليبي الذي كان يدعم مواقف دول الممانعة في بعض الأحيان، وأصبحت سوريا ذاتها حالة مستعصية في إطار التطورات الأخيرة، وسيطر "الإخوان المسلمون" على الحكم في مصر، وقد يتكرر الأمر لاحقاً في ليبيا وسوريا إذا ما انتصرت الثورة على نظام الأسد، وكذلك في اليمن، ولذلك كان متوقعاً أن يُستبدَل بمعسكر قوى الممانعة معسكر "الربيع العربي"، وأن يتقلص عدد دول الاعتدال، ولكن شيئاً من هذا لم يحدث حتى الآن، إذ تبدو العلاقات بين دول "الربيع العربي" إما عادية وإما متأزمة كما هو الحال في العلاقات المصرية- الليبية مثلاً. وكذلك لا تبدو دول "الربيع العربي" مستعدة لأن تحدث تغييراً في نمط علاقاتها الخارجية أو حتى راغبة في ذلك، والحقيقة أن الظروف الموضوعية لا تسمح لها بهذا، ففي مصر على سبيل المثال نجد أن الرأي العام ورأي النخبة لا يطيقان في الأغلب الأعم العلاقة مع إسرائيل، ومع ذلك فإن مصر الرسمية غير قادرة حتى على أن تثير قضية مراجعة المعاهدة، لأنها حتى الآن لم تعد للأمر عدته، فقرار ثوري بتعديل المعاهدة مع إسرائيل من طرف واحد يتطلب قاعدة قوة يعتد بها، فضلاً عن أن مصر ما زال نظامها غير قادر على الاستغناء عن المعونة الأميركية والدعم الأميركي، ومن ثم غير راغب في إحداث تغيير في العلاقة مع الولايات المتحدة. وكذلك فإن السبب نفسه جعل من نموذج العلاقات المصرية- الخليجية صورة طبق الأصل لما كان عليه في عهد الرئيس السابق، وهكذا تبدو خريطة التحالفات في الوطن العربي ضبابية في الوقت الراهن إلى حد بعيد. وفي السياق السابق تبلور مؤخراً تحالف جديد هو التحالف الإيراني مع سوريا والعراق و"حزب الله" ومن المؤكد أن أساس هذا الحلف هو إيران، فعلاقة إيران الرسمية بكلٍ من أطرافه أكثر من مؤثرة، فهي متحالفة مع سوريا و"حزب الله" منذ سنوات عديدة، كما أن الحكم الراهن في العراق جعل منها جزءاً من المنظومة الإيرانية. والغريب أن علاقات الأطراف الأخرى شديدة السوء فيما بينها، فسوريا والعراق صاحبتا ميراث ممتد من العداء بين الحكومتين، ولم يتوقف هذا العداء إلا بعد أن تأكدت النية الأميركية لغزو العراق، فاتخذت سوريا مواقف مؤيدة للعراق وظلت تتصور إمكانية استمرار هذا الموقف بدور يرعى حركة المقاومة العراقية إلى أن أفاقت على المواقف الصارمة للولايات المتحدة في هذا الصدد. بل لقد حدث توتر ملفت في العلاقات بين البلدين بعد أن كان الأمر قد وصل إلى تكوين مجلس تعاون استراتيجي سرعان ما أفقنا على تحطمه إلى أن حدث التقارب الأخير بين البلدين في ظل تعرض النظام السوري لخطر الانهيار. وكذلك كان تاريخ العلاقات العراقية- الإيرانية تاريخاً دموياً تشهد عليه الحرب العراقية- الإيرانية التي دامت ثماني سنوات. والخطير أن هذا التحالف في حالة عجزه عن تحقيق هدفه في الحفاظ على النظام السوري ودعم إيران في قضية الملف النووي قد يلجأ إلى التصعيد، وقد يشمل التصعيد كذلك قضايا إقليمية مثل الصراع مع إسرائيل، أو الملف النووي الإيراني بما يشكل خطراً على دول المنطقة بالكامل. تبدو خريطة التحالفات في النظام العربي إذن غائمة، وهي مصدر خطر واضح وتهديد أكيد للأمن العربي، فهل تكون الدول المضادة لتحالف سوريا وإيران والعراق قادرة على مزيد من الفهم لما يحدث في الساحة العربية الآن كمقدمة لأن تفعل شيئاً ينقذ بلدان الوطن العربي من مغبة هذه الأحداث الخطيرة؟