لماذا لم تخرج مظاهرات، ولو متواضعة، في بلاد العرب والمسلمين تأييداً للفتاة الباكستانية الشجاعة ملالا يوسف زاي ذات الأربعة عشر ربيعاً التي حاولت "طالبان" الباكستانية الظلامية اغتيالها في وضح النهار الأسبوع الماضي؟ تفاصيل محاولة الاغتيال تجعل الدم يغلي في عروق أي إنسان عنده ذرة إنسانية أو مروءة. مجموعة من مسلحي "طالبان" بكامل رشاشاتهم وعتادهم يوقفون باص مدرسة ينقل طالبات هن في عمر ملالا، ثم يقتحمونه ويسألون عن الفتاة ولما يتعرفون عليها يفتح أحدهم رشاشه عليها فيصيبها في صدرها وكتفها، ثم يفر "المجاهدون" ويختفون عن الأنظار. الخسة وانعدام المروءة التي يتصف بها مثل هذا الفعل تؤهله للفوز بـ"جائزة السلوك الأكثر انحطاطاً" مما قد يفكر به المرء. جريمة ملالا أنها ومذ كانت في الحادية عشرة من عمرها تنتقد سياسات "طالبان" في منطقة سوات الباكستانية، وخاصة سياسة إغلاق وحرق مدارس البنات. ومنذ تاريخ وقوع المنطقة تحت السيطرة العسكرية للحركة المهووسة سنة 2007 أغلقت وأحرقت "طالبان" أكثر من 400 مدرسة للبنات. وقتلت وخطفت وعذبت مئات ممن وقفوا ضد تعصبها وسياساتها. وكلما اشتدت معارضة الناس لها ضاعفت الحركة من قمعها وبطشها حتى "تؤدب المارقين عن الإسلام"، وهم كل من يعارضونها وكلهم مسلمون إسلامهم أنقى وأطهر من جنون "طالبان" وتعصبها. ملالا هي إيقونة الحرية في باكستان، والطفلة البريئة المدافعة عن حقها في التعليم، والتي نقلت عبر مدونتها الشهيرة وباسم مستعار خلال السنوات الثلاث الماضية أحلام وأمنيات وآهات وبكاء بنات المدارس اللواتي كن يتحطمن وهن يرين مدارسهن تحرق وتدمر على أيدي "طالبان" ثم يُمنعن من مواصلة الدراسة. ملالا هي مستقبل باكستان الواعد الذي يريد أن ينتفض على ثقافة التخلف وتقاليد التعصب، هي التمثيل الحقيقي لثقافة "اقرأ" وطلب العلم ولو في الصين وما جره ذلك من انفتاح للمسلمين على كل ثقافات العالم وحضاراته. بيد أن ما لا يقل مرارة عن محاولة الاغتيال البشعة هذه وما تعكسه من ترد وانحطاط أخلاقي عند "طالبان" هو اللامبالاة المريعة التي يتعامل بها الرأي العام العربي والإسلامي تجاه هذه القضايا. لماذا لا تخرج مظاهرات تنتصر لملالا وتندد بـ"طالبان"؟ ولماذا يسكت الرأي العام ومعظمه بالتأكيد ضد تلك الفعلة الجبانة ولا يعبر عن غضبه؟ وفي الوقت نفسه رأينا ما رأينا رداً على الفيلم المسيء والتافه الذي أدى إلى سقوط ما يقارب عشرين ضحية ومئات من المصابين؟ هذا كله حتى لا نقول أين المظاهرات والتأييد انتصاراً للشعب السوري الذي يقتل يومياً على يد جزار دمشق وعصابته؟ ولماذا لا يتأمل الضمير الجمعي مسألة تردي القيم وتصيبه بصدمة وعي وتأمل عميق. لماذا مثلاً لا نتأمل بشاعة فعل القتل والاغتيال ضد المدنيين، وفي حالة "طالبان" تصل أمديتها القصوى. كيف يمكن أن يصب مسلح مدجج بالرصاص ذخيرته في صدر أعزل بريء معبراً عن سلوك همجي وبالغ الوحشية والغدر. ألا تكمن الشجاعة، إن كان ولا مناص من الحرب والنزال، في المواجهة المباشرة، لا الغدر. ألم نقرأ في تاريخ النزالات والصراعات قصصاً لا حصر لها عن مقاتلين وأعداء كانت "المروءة" والنزاهة في القتال هي سمة قتالهم وقتلهم. حتى في أقصى مراتب الغرائزية في الصراعات لكم قرأنا عن منتصر توقف عن غمد سيفه في صدر عدوه لأن سيف الأخير طار من يده، وكم قرأنا عن منازلات كانت لا تتم حتى يتأكد كل طرف من امتلاك خصمه نفس السلاح. عندما تتساوى موازين القوة يُحال الأمر للشجاعة والجرأة والبطولة. أما أن تقتحم مجموعة "مجاهدين" مدججة بالسلاح باصاً لبنات مدرسة ليقتلوا فتاة صغيرة تحت مسمى "الجهاد" فهذا هو ادنى مراتب الانحطاط حتى من منظور قيم الجاهلية ومحاربي داحس والغبراء! في هذه الصفحة وفي أكتوبر عام 2006 علق كاتب هذه السطور على حادث مشابه، وفي باكستان أيضاً، تزامنت مع حملة الاحتجاج التي عمت العالم العربي والإسلامي آنذاك ضد رسام الكاريكاتير الدنماركي آنذاك ورسومه المسيئة. اقتبس هنا بعضاً من ذلك التعليق لأنه ما أشبه اليوم بالبارحة، وما أشد المرارة عندما نلحظ كيف تمر السنوات والعقود ونحن متجمدون في مواقع تخلفنا إن لم نكن نعود إلى الوراء أكثر وأكثر: "آلام غزالة شاهين... وصمت المسلمين": غزالة شاهين باكستانية عمرها 24 سنة من مولان جنوب البنجاب تعرضت لاغتصاب جماعي من قبل مجموعة من الوحوش الذين ما زالوا طلقاء أحراراً ولا يمسهم القانون المتخلف الذي تظلمت إليه غزالة. حدث هذا في شهر أغسطس عندما اختطفت غزالة مع أمها في قريتها يوم اقتحم 11 مسلحاً مسلماً يرتدون زي رجال الأمن بيتها، وضربوا أباها وإخوتها ثم انتزعوها وأمها من بينهم، واقتادوهما إلى قرية أخرى لعدة أيام وتناوبوا على اغتصاب غزالة وضربها وإهانتها. السبب وراء عملية الاغتصاب الهمجية هو أن عم غزالة هرب مع امرأة (برضاها) تنتمي إلى قبيلة المغتصبين، وهي قبيلة تعتبر نفسها «أرفع مقاماً» من قبيلة غزالة وعمها التي يُنظر إليها من قبلهم على أنها قبيلة وضيعة! تفاصيل وحيثيات الاغتصاب وعلنيته وتواطؤ القانون مع الجناة وصمت المسلمين في باكستان وخارجها عن هذه الجريمة وما شابهها يجب أن يثير الكثير من الأسئلة والتأمل المرير. سؤال الصمت الشعبي وعدم الاكتراث وانحطاط الحساسية الإنسانية لمؤازرة فتاة بريئة هي نموذج لحالات لا تعد ولا تحصى في أنحاء باكستان وأجزاء أخرى من العالم الإسلامي هو السؤال الأهم. لماذا يثور المسلمون إزاء بعض القضايا ثم يلفهم الصمت المذهل إزاء قضايا أخرى. ما الذي يقدم ويؤخر الأولويات والحساسيات على أجندة الوجدان المسلم؟ لماذا تخرج المظاهرات العارمة ولأسابيع في طول وعرض العالم الإسلامي احتجاجاً على رسم كاريكاتوري عابر وسخيف في صحيفة دانماركية ما كان لأحد أن يهتم به لولا تلك التظاهرات، ويموت فيها أكثر من 140 مسلماً ثم لا تخرج مظاهرة واحدة مكونة من عشرة أشخاص احتجاجاً على الظلم المريع الذي تعرضت له غزالة شاهين؟ ولو سألنا السؤال أيضاً بطريقة أخرى كالتالي: أيها يثير الغضب الديني أكثر من الاغتصاب الجماعي المتوحش لغزالة شاهين ثم تواطؤ القانون مع مغتصبيها، أم الرسم الكرتوني الدنماركي؟ ولماذا ينتشر الصمت وعدم الاكتراث في الشارع الإسلامي إزاء القضايا الكبرى مثل تواصل الاحتلال الإسرائيلي وممارساته الوحشية ضد الفلسطينيين، والقتل اليومي بالعشرات للعراقيين، ثم فجأة تهب الثورات الشعبية على مسألة عابرة هنا أو هناك؟ كيف يسقط عشرات القتلى احتجاجاً على الرسوم الكرتونية ولم يسقط أحد احتجاجاً على حرب إسرائيل ضد لبنان والوحشية التي دمر بها الجنوب مثلاً؟