تستضيف دولة الكويت اليوم وغداً، 15 و16 أكتوبر 2012 "مؤتمر القمة الأولى لحوار التعاون الآسيوي" وذلك تتويجاً لمسيرة تجاوزت عشرة أعوام من لقاءات ودراسات وتوصيات لوزراء خارجية الدول الآسيوية دون أن تحقق تلك الجهود الأهداف المرجوة منها. وبفضل جهود سمو أمير دولة الكويت نجحت الكويت في أن تنتقل من لقاءات وزراء خارجية الدول الآسيوية إلى قمة لرؤساء الدول، على أمل أن يضخ هذا المزيد من الثقة والعزيمة وتصويب الدور الآسيوي على المستوى الدولي ليكتسب ذلك التوجه صفة الديمومة والاستمرار. وعلى هامش "مؤتمر القمة الأولى" التي دعيتُ إليها دعيتْ أكثر من 30 دولة سيشارك عنها قادتها أو من ينوب عنهم في أول لقاء قمة على هذا المستوى الرفيع تتويجاً للإنجازات وللصعود الآسيوي بعمالقته في شرق القارة. ولدور آسيا المتنامي والمؤثر على الساحة الدولية حيث تبرز الآن دول آسيوية مهمة ومؤثرة في مجموعة العشرين ومجموعة "البريكس". وحتى الولايات المتحدة الأميركية عدلت أيضاً من اتجاه بوصلتها واتجهت هي الأخرى شرقاً... وقد كتبت مقالاً في "الاتحاد" في إبريل الماضي عنوانه: "لماذا تتجه بوصلة أميركا إلى آسيا والصين؟". وعلى غير العادة كانت وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون قد اتجهت بعد تعيينها في منصبها في أول زيارة إلى آسيا، وليس كما كانت العادة إلى أوروبا. ويبدو أن العالم بأسره يتجه شرقاً، وأن الحقبة الحالية التي نعيشها هي حقبة آسيوية وقد تتطور من حقبة إلى قرن آسيوي! وكان صاحب السمو أمير دولة الكويت من أوائل القادة الآسيويين الذين استشرفوا أهمية التوجه شرقاً قبل عقد من الزمن وبعد التحرر من تهديدات صدام حسين، وقد خط عندما كان رئيساً للوزراء في عام 2003 ما أسماه الدبلوماسية الاقتصادية، وشجع التوجه شرقاً وخاصة أن أكثر من 80 في المئة من النفط الكويتي يصدر إلى الدول الآسيوية، كما قام بزيارات عديدة إلى دول القارة كوزير للخارجية ورئيس للوزراء وأمير لدولة الكويت. وكذلك فعل قادة دول المجلس، الذين استشرفوا الحاجة للتواصل وضخ الاستثمارات والدخول في شراكات أكثر مع الدول الآسيوية في شرق القارة. وهذا ما لمسناه وسمعناه عندما شاركت مع العديد من الباحثين والمتخصصين، سواء في الهند، أو عند زيارتي الرسمية إلى اليابان وتركيا وباكستان وإيران. وسمعناه أيضاً من باحثين آسيويين من إندونيسيا وماليزيا والهند وروسيا وغيرها من الدول ممن شاركوا قبل أيام في المنتدى الأكاديمي المقام في جامعة الكويت بالتعاون مع وزارة الخارجية الكويتية -بمناسبة انعقاد مؤتمر القمة الأول لحوار التعاون الآسيوي تحت عنوان: "آسيا: رؤى مستقبلية". إنها إذن اللحظة الآسيوية في عالمنا المعاصر، حيث يزداد دور وحضور القارة التي تحتضن 60 في المئة من البشر على كوكب الأرض، والقارة التي فيها العرب والفرس والأتراك والروس. وهي مهبط الأديان السماوية الثلاثة: الإسلام والمسحية واليهودية، وكذلك موطن المعتقدات المتعددة الأخرى من بوذية وهندوسية وزرادشتية وشنتوية وغيرها. والقارة التي تضم أكبر دولتين في عدد السكان على المستوى الدولي -الصين والهند. والقارة التي شهدت "المعجزة الآسيوية" وقصة صعود "النمور الآسيوية" الباهر. ومن غرب آسيا على ضفاف المتوسط إلى المحيط الهادئ تحضر هذه القارة اليوم بقوة أيضاً في المحافل الدولية وفي المنظمات الكبرى. فثماني دول من أعضاء مجموعة "العشرين" لأكبر اقتصادات النظام العالمي هي دول آسيوية. وطبعاً على رأسها الصين صاحبة الاقتصاد العالمي الثاني التي انتزعت هذا الترتيب من اليابان العام الماضي، وهذه الأخيرة هي صاحبة الاقتصاد الثالث على مستوى العالم كذلك. كما أن هناك أيضاً روسيا والهند وكوريا الجنوبية والسعودية وتركيا وإندونيسيا. ومنذ اكتشاف كريستوفر كولومبس في عام 1492 للعالم الجديد الذي عرف لاحقاً باسم أميركا، ومركز ثقل النظام العالمي كإمبراطوريات ودول كبرى وعظمى والصراع بين الأقطاب في النظام العالمي تمور حول ضفتي الأطلسي الأوروبية والأميركية. وعلى مدى أكثر من 500 عام تمركزت الحضارة والثقافة والعلوم والاكتشافات والإمبراطوريات من إسبانية وبرتغالية وبريطانية وغيرها أيضاً على الضفة الأطلسية من العالم... وحتى الحربين العالميتين والحرب الباردة كلها دارت رحاها بالدرجة الأولى في أوروبا. ثم دخلت الولايات المتحدة الأميركية المسرح الدولي بمبادراتها وثقلها وقادت التغييرات الجذرية في النظام العالمي مثل تأسيس منظمات دولية جامعة كالأمم المتحدة والبنك الدولي وصندوق النقد الدولي وحلف شمال الأطلسي الذراع العسكرية للغرب في الحرب الباردة بين الكتلتين الغربية والشرقية. وقد أدى الصعود الأميركي إلى التراجع والانكفاء البريطاني، وبذلك كانت أميركا بمثابة الوريث الشرعي للإمبراطورية البريطانية التي تسيّدت النظام العالمي وأصبحت إمبراطورية لا تغيب عنها الشمس في القرن التاسع عشر، ليتحول القرن العشرون منذ منتصفه إلى قرن أميركي بامتياز. واليوم لاشك أن إحدى أهم الظواهر في النظام العالمي هي تحول الثقل والثروات العالمية -لأول مرة في التاريخ منذ اكتشاف أميركا- من الغرب إلى الشرق، ومن أوروبا- أميركا الشمالية كما كانت عليه الحال خلال أكثر من خمسة قرون إلى آسيا والمحيط الهادئ. وهذه إحدى الظواهر المهمة في نظامنا العالمي المعاصر التي يجب أن تدرس وتفهم ويتم استشرافها. وقد تزامن الصعود الآسيوي مع تنامي ظاهرة تراجع الحضور والدور الأميركي على المستوى الدولي بسبب التكلفة الهائلة لحروب أميركا الخارجية في العراق وأفغانستان، وعلى الإرهاب، وتفجر الأزمة المالية العالمية، وتحول أميركا إلى أكبر دولة مدينة في النظام الدولي بمجمل دَين عام يتجاوز 16 تريليون دولار، وبروز العملاق الصيني والنمور الآسيوية والهند كلاعبين مؤثرين كبار، وتحول الصين إلى أكبر مقرض للولايات المتحدة، وقرار الرئيس أوباما تنفيذ توصية لجنة مشتركة من الحزبين الجمهوري والديمقراطي تقضي بانتهاج خطة طموح لخفض ميزانية وزارة الدفاع بـ 500 مليار دولار خلال العقد القادم. هذا بالإضافة إلى تعثر دور وحضور الاتحاد الأوروبي الذي يمر بمأزق منذ تفجر الأزمة الاقتصادية العالمية وتأثره بتداعياتها الخطيرة إلى درجة أن هناك تشكيكاً في إمكانية بقاء الاتحاد الأوروبي نفسه كأكبر كتلة اقتصادية في العالم، وصاحب الاقتصاد الدولي الأكبر بدوله الـ27. وثمة الآن مخاوف من انسحاب اليونان وانقسامات في أوروبا حول برامج الإصلاحات الاقتصادية وخطط وبرامج التقشف. وهذا كله دفع ببريطانيا إلى التفكير في إجراء استفتاء حول الجدوى من البقاء في الاتحاد الأوروبي. والغريب أن منظمة الاتحاد الأوروبي فازت، مع ذلك، بجائزة نوبل للسلام لهذا العام! وفي المجمل فإن بوصلة العالم تتجه فعلاً شرقاً باتجاه آسيا أكبر قارات العالم، التي تشغل دولها الـ 48 نسبة 9 في المئة من مساحة الكرة الأرضية و30 في المئة من مساحة اليابسة، ويعيش فيها حوالي 4 مليارات إنسان أي تقريباً 60 في المئة من شعوب العالم، بثقافات وأعراق وأديان وعادات وصراعات ومشاكل هي الأكبر والأكثر تعقيداً. ولاشك أن مما يحسب لدولة الكويت هذه المبادرة المهمة بعقد المؤتمر الأول لحوار التعاون الآسيوي، الذي نتوقع منه أن يضع في السياق الصحيح الثقل والوزن الآسيوي على المستوى الدولي... ولنا عودة لمناقشة توصيات القمة ومستقبل الدور الآسيوي على الساحة الدولية التي تتجه نحو التعددية... ولكن دون ذلك الكثير من التحديات التي سنشرحها، إن شاء الله.