بات الكثير من المثقفين والنخب السياسية يسألون لماذا أحجمت الطائفة العلوية عن الانضمام للثورة السورية؟ وما هي الأسباب والدوافع التي منعتها من الانخراط الميداني في أتون ثورة الحرية والكرامة السورية؟ ولماذا ظهر موقف العلويين عموماً -إلا فيما ندر- على الأرض وكأنه موقف داعم ومؤيد بالكامل لسياسات النظام القمعية والدموية بحق باقي أبناء وفرقاء الوطن من المذاهب والطوائف الأخرى خاصة السنية منها؟ أين هم من ذلك كله؟ في الواقع إذا دققنا في طبيعة هذه الأسئلة، وبحثنا بهدوء وتأمل في ماهية الأسباب التي جعلت العلويين يغيبون -بصورة عامة- عن المشاركة في الثورة السورية، لابد من العودة قليلاً إلى الوراء عندما قام حافظ الأسد بانقلابه عام السبعين على زملائه في القيادة البعثية، واعتقاله لهم ووضعهم في السجون والزنازين، حيث قام على مدى ثلاثين عاماً من حكمه بتشظية وتفتيت الطائفة العلوية التي حكم باسمها زوراً وبهتاناً، مفرغاً إياها من أية قواعد وثوابت فكرية وطنية يمكن للعلويين أن يستندوا عليها للمشاركة الوطنية الفاعلة في بناء مستقبل وطنهم جنباً إلى جنب مع باقي مكونات المجتمع السوري. وهذا التشظي والتفتيت الممنهج للطائفة "العلوية" لم يقتصر على دور ومكانة وطبيعة رجال الدين العلويين بل تعداه إلى العائلات الوطنية المعروفة تاريخياً المنتمية لتلك الطائفة، ولكل من كان يشتم منه أدنى رائحة أو إمكانية أن يكون ولو مجرد معارض بسيط، فضلاً عن أن يكون بديلاً عن الأسد في حكم البلد... وحتى في قريته "القرداحة" منع الأسد الأب أي ظهور غير مألوف لأية شخصية أو عائلة معروفة تاريخياً غير عائلته التي كانت أفقر وأصغر عائلة وأقلها عدداً قياساً بالأصول العائلية لأسر تاريخية أخرى كآل الخير وإسماعيل وآل مخلوف وغيرهم. وكذلك كان من مظاهر هذا التشظي للطائفة، وخلخلة وجودها الوطني، استدامة تفقيرها واستضعافها، والتلاعب بمشاعرها التاريخية الدينية، وإبقائها في حاجة ماسة للنظام من أجل استمرار كسب ولائها الحيوي بالنسبة لوجوده السياسي، مستغلاً عقدة الاضطهاد التاريخية المتغلغلة في روح الطائفة وفي نسيجها المجتمعي كأقلية دينية... فقام النظام منذ بداية حكم الأسد، بتطويع أبناء الريف العلوي على وجه الخصوص في قطاعات جيشه وعسكره وأمنه، ومختلف وظائف الدولة الحساسة... وهذا كله طبعاً جاء على حساب الانتماء الوطني والاندماج الطبيعي للطائفة في الوطن السوري ككل. وأخشى ما أخشاه الآن، بعد مضي أكثر من 18 شهراً على تفجر واندلاع الثورة السورية التي تعسكرت مرغمة -مع أنها بدأت سلمية لحوالي ثمانية أشهر من بدئها- هو أن يدفع "العلويون" الذين لم ينخرطوا في صفوف النضال والكفاح ضد النظام المستبد، ثمن وقوفهم إلى جانب النظام البعثي-الأسدي، وأقله بالطبع الثمن السياسي المستقبلي. ومن هنا، فليس للعلويين من خيار سياسياً وثقافياً وتاريخياً إلا بالمباشرة برفع الغطاء الطائفي وورقة التوت العشائرية الأخيرة التي لا يزال هذا النظام. وطبعاً لا يعني كلامي أنني أميل لتحميل العلويين -كأقلية دينية- مسؤولية عدم مشاركتهم في الثورة على النظام السوري المنتمية -بعض أهم وأبرز رموزه وهياكله الأساسية- طائفياً إليهم كما يزعمون، وعدم انضوائهم في تحولات وفاعليات الثورة السورية على الأرض، ولا يعني أيضاً أنني أدعو إلى جعلهم يدفعون أثمان عدم المشاركة في محرقة أتون الثورة جنباً إلى جنب مع باقي تيارات ومكونات وتنوعات وأبناء الوطن السوري. وهذه دعوة لهم، إلى أن يثوروا ويفكوا قيودهم الطائفية الضيقة التي كبلهم بها هذا النظام، بعد طول استخدام واسترهان لهم، ودفعهم باتجاه خيارات خاطئة وشديدة التكلفة وفائقة الخطورة والسلبية بالمعنى الوجودي على مستقبلهم السياسي ودورهم التاريخي كجزء من سوريا الوطن والحضارة. ــــــــــــــــــــــــــ محمد عمر البستاني كاتب سوري ينشر بترتيب مع مشروع "منبر الحرية"