لا أدري هل رمي الحجارة قد تمّ إدخاله مؤخراً في تنظيمات الجماعة أمّ أنها مجرّد هبّة احتساب أمر بها المرشد المطاع، وحين أمرهم بالانسحاب آخر النهار خلا ميدان التحرير من أي مشاغبات في أسرع وقت عبدالله بن بجاد العتيبي Bjad33@gmail.com ما تريده جماعة "الإخوان المسلمين"بمصر هو أنّ تستحوذ على السلطات كافةً في الدولة، وأن تستحوذ على المعارضة في نفس الوقت، وهو أمر غريب لا أعرف له مثالاً. كانت الجمعة الماضية بمصر "جمعة الحساب" داميةً حقاً، فقد كانت بعض القوى المصرية قد حشدت لهذه الجمعة للتعبير عن معارضة الرئيس محمد مرسي، وقبلها بيوم قرّرت جماعة "الإخوان المسلمين" النزول للتظاهر في نفس الجمعة بذريعة الأحكام القضائية التي صدرت بحق المتهمين في قضية معركة الجمل، وواضح أنّ القرار "الإخواني" للنزول للتظاهر في نفس الزمان ونفس المكان كان يقصد المواجهة والتصعيد ويهدف لذلك عن وعي. كان طبيعياً أن يشتبك الطرفان وهو ما حصل بالفعل، وتحت الأصوات "الإخوانية" التي كانت تصرخ بالتكبير كانت سواعد "الإخوان" تطلق الحجارة والطوب على رؤوس فرقائهم السياسيين الذين كان أكثرهم قد أعطى صوته للإخوان ولمحمد مرسي في الانتخابات، لم يقتل أحدٌ حتى كتابة هذه الكلمات، ولكنّ الإصابات كانت بليغة في الرؤوس، والجرحى بالعشرات، وصعد من زاد حماسه من "الإخوان" إلى منصة المخالفين وكسروها وطردوا من كانوا عليها بالقوّة والضرب ثم أخذوا يهتفون لمرسي. كان "أطفال الحجارة" بفلسطين رمزاً موحياً في زمنٍ مضى، وها قد جاء الدور اليوم على "إخوان الحجارة" الذين وهم في السلطة يحاورون خصومهم بالطوب. هذا الحدث فصلٌ من مسلسل الاستحواذ "الإخواني" على مؤسسات الدولة والمجتمع بمصر بعد الربيع الإخواني، وهو أمرٌ حذّرت منه قلة قليلة على دراية متعمقة بتاريخ هذه الجماعة وطرائق تفكيرها وآليات عملها، وكانت تلك التنبؤات تثير سخرية بعض الجهلة بتاريخ الجماعة أو المتحمسين آنذاك، وها هي تلك التنبؤات تتجلى واقعاً ملموساً وقرارات رئاسية وحشود مدرّبة لياقياً ولا أدري هل رمي الحجارة قد تمّ إدخاله مؤخراً في تنظيمات الجماعة أمّ أنها مجرّد هبّة احتساب أمر بها المرشد المطاع، وحين أمرهم بالانسحاب آخر النهار خلا ميدان التحرير من أي مشاغبات في أسرع وقت. بعد الهجوم على الصحافة القومية بمصر كان لابدّ أن يأتي الدور على المؤسسة القضائية، فهي مؤسسة عصية على الاختراق عبر صناديق الاقتراع التي تخضع للتجييش الجماهيري الذي يبدع فيه "الإخوان" نظراً لطول التجربة وعمق التغلغل المجتمعي وخبرة التحشيد، ولكنّهم والسلطة بأيديهم والدعم الغربي حاضر بقوة لن يعدموا وسيلة لخلخلة هذه المؤسسة العريقة في تاريخ مصر، وها هم قد وجدوا السبيل وذلك ما عبّر عنه قرار الرئيس محمد مرسي بإقالة النائب العام عبدالمجيد محمود وتعيينه سفيراً في الفاتيكان، وهو ما استدعى اجتماعاً لنادي القضاة للنظر في هذا التدخل السافر في شؤون المؤسسة القضائية. سيكون مفيداً رصد قوّة "الإخوان المسلمين" وسلطة الدولة بأيديهم في كسر هيبة المؤسسة القضائية والتدخل في شؤونها، وكذلك ردّ المؤسسة القضائية على هكذا تدخّل، ومن سيتراجع أمام سلطة الآخر؟ وأين ستذهب النخب والجموع التي صوّتت للإخوان ولمرسي؟ وماهم فاعلون يا ترى؟ وهل سيبقى بينهم من يشكك في أنّ جماعة الإخوان قد ركبتهم جميعاً وجيّرت كل احتجاجاتهم لصالحها؟ أحسب أنّه لن يطول الانتظار حتى نشهد غزوّة إخوانية أخرى على مؤسسة الأزهر، وبطريقة إخوانية مختلفة سيكون مثيراً رصد كيف ستتجلى وكيف سيصنعها "الإخوان"؟ عندما يطيل الباحث النظر في خطاب أو تيار أو جماعة ما، ويكون واعياً بالسياقات التاريخية والموازنات الراهنة التي تحيط بذلك، يصبح من السهل عليه قراءة التطوّرات والمواقف الحاضرة والمستقبلية، وحين يعبّر عن ذلك يقابله هؤلاء بالاستهجان والتفنيد، ويتبعهم على ذلك بعض الجهلة وإن كانوا مشاهير أو مبدعين في مجالات أخرى بالسخرية ثمّ حين تتجلّى الأحداث عن صدق نظر الباحث يصاب هؤلاء بالصدمة والتفاجؤ ولكنّهم لا يتذكرون مواقفهم السابقة، ولا يغير بعضهم تلك المواقف بل يسير خلف قوّة الدعم الأولى التي كانت تحرّكه سواءً كانت حماسةً أم شعبويةً أم غوغائيةً أم خطأً على أقلّ تقدير. يبدو أنّ القضاة لن يرضخوا بسهولة، ومن هنا يمكن قراءة دعوة الرئيس مرسي لسنّ قانون جديد لإقامة محاكمات سياسية لا جنائية، وهذا لا يعني إلا أمراً واحداً وهو إقامة محاكم تفتيش جديدة، وهي ستكون لو نجح "الإخوان" في تمريرها أشدّ وأنكى من قانون الطوارئ المثار عليه سابقاً. لقد حصل "الإخوان" على مرادهم في الجمعة الماضية، فقد ضربوا مظاهرة القوى الثورية الأخرى المتعلقة بحصاد مئة يومٍ من حكم الرئيس محمد مرسي وجماعة "الإخوان"، و"الإخوان" يحسنون التلاعب بالقوى السياسية بمصر وتحديد تاريخ وكيفية التحرّك للتغطية على إخفاقاتهم أو تشتيت أي احتشادٍ ضدّهم. كالعادة، فعل "الإخوان" ما يحسنون، فخرجوا بتصريحات متناقضة، فبعضهم قال إنّ الذين ضربوا المتظاهرين ليسوا من "الإخوان"، والصور والمقاطع الفيلمية المصورة كلها تؤكد أنّهم "الإخوان" ولا أحد غيرهم، وبعضهم لجأ للفزّاعة القديمة التي لم تعد صالحةً للاستعمال فضلاً عن الإقناع، وقال إنّهم "فلول النظام السابق"، وقد كان كاشفاً للموقف أنّ الضرب والتهجم على الناس قد توقّف تماماً بمجرد صدور أمرٍ لعناصر "الإخوان" بالانسحاب من الميدان، فهرولت جموع "الإخوان" خارج الميدان خضوعاً للبيعة ومبدأ السمع والطاعة. أحسب أن أسئلةً مهمةً ستجول في جماجم الشباب الثائر المهشّمة بحجارة "الإخوان"، وهي باختصار كيف أقنعنا قادتنا وموجهونا ومثقفونا أنّ ننتخب "الإخوان"؟ وكيف قالوا لنا إنّها الديموقراطية تجيء بالإخوان ثم تذهب بهم وتجيء بغيرهم؟ وكيف أقنعونا أنّ "الإخوان" مجرّد حزب سياسي مثلهم مثل أحزاب أميركا وبريطانيا؟ والأهمّ من هذا هل سيجد هؤلاء القادة والموجّهون والمثقفون الشجاعة للاعتراف بأخطائهم في قراءة الأحداث والمشهد برمّته؟ وهل سيتحلّون بالمرؤة اللازمة لتقديم الاعتذار لهؤلاء الشباب الأغرار عمّا فعلوه بهم ودفعوهم إليه؟ إنّ الموقف من جماعة "الإخوان المسلمين" لا يجب أن ينطلق من حادث وحيد، ولا أن تدفع إليه سخونة حدث لا يلبث أن ينطفئ، بل يجدر أن يكون موقفاً يربط الأحداث ببعضها، ويجمع صحة المعلومات إلى دقة التحليل، ويرفد التاريخ بالتجربة والخبرة، حتى يشكل وعياً صائباً وصلباً لا مجرّد نزواتٍ تحركها الأحداث.