عند الحديث عن النقاش الدولي الدائر حول التدخل العسكري في سوريا فإنه غالباً ما تتم صياغته في إطار "مسؤولية الحماية" التي يُفترض للشعب السوري الاستفادة منها وهو يعاني على يد نظام وحشي، ولكن هناك أيضاً أخطاراً متصاعدة من احتمال انتقال الأزمة إلى بلدان أخرى بكيفية قد تزعزع استقرار منطقة تعاني أصلاً من اضطرابات لا نهاية لها. وهذه الأخطار لو أُخذت بجدية وتم التعامل معها فإنها قد تساهم لوحدها في انبثاق أسباب ودواع مقنعة للتدخل الدولي. وأول تلك العوامل استمرار الاحتقان بين الجارتين تركيا وسوريا الذي قد يتطور، على رغم الدعوات الدولية بضبط النفس، من مجرد مناوشات إلى صدام حقيقي بين البلدين، فتركيا الحليفة الرئيسية للولايات المتحدة والعضو الأساسي في حلف شمال الأطلسي معرضة بشكل كبير لتداعيات حرب ممتدة في سوريا. ويؤكد ذلك العدد الكبير للاجئين الذين اجتازوا الحدود إلى تركيا والذين فاق عددهم حتى اليوم 90 ألف سوري، كما أن تكرار الحوادث على جانبي الحدود وسقوط ضحايا مدنيين أتراك بسبب قصف سوري وما سيعقبه من رد تركي سيؤدي لا محالة إلى تصاعد الصراع بين أنقرة ودمشق. ولعل الحادثة الأخيرة التي وقعت خلال الأسبوع الجاري وقامت تركيا بموجبها بإجبار طائرة متجهة من روسيا إلى سوريا على النزول بعد الاشتباه في نقلها مواد عسكرية أوضح مثال على احتدام الصراع. ففي الوقت الذي نقل فيه التلفزيون التركي الرسمي تقارير عن حمل الطائرة معدات عسكرية ردت سوريا بغضب واصفة الحادثة بالقرصنة الجوية، في حين نفت روسيا أن تكون الشحنة تابعة لها معبرة عن استيائها من الطريقة التي تم التعامل بها مع مواطنيها الذين كانوا على متن الطائرة. وبالنظر إلى العداء الواضح بين دمشق وأنقرة والحشود العسكرية الموجودة على جانبي الحدود فإن تصاعد العنف قد يمثل تطوراً خطيراً في سير الأزمة السورية، ولو حدث ذلك فإن "الناتو" لن يستطيع الوقوف متفرجاً فيما أحد أعضائه الأساسيين ينخرط في حرب مع طرف آخر. ولكن بالإضافة إلى العلاقة السورية التركية المتوترة التي قد تدفع إلى تدخل دولي هناك أيضاً ما باتت عليه سوريا نفسها من ساحة معارك بالوكالة، فمن المعروف أن إيران تساند حليفها السوري وتقف إلى جانب نظام الأسد، فيما تركيا وقطر والسعودية وبعض الدول الإقليمية تدعم الجيش السوري الحر وجماعات أخرى معارضة، كما أن قوات المعارضة التي تعمل من الأراضي التركية تعتبر فاعلاً أساسياً في الثورة ضد الأسد، غير أن وجود جماعات مسلحة مناوئة للنظام السوري تنشط من تركيا تؤثر سلباً على المناطق الجنوبية في تركيا نفسها التي كانت مزدهرة ومستقرة قبل الأزمة فيما اليوم تعاني الفوضى والركود الاقتصادي. هذا في الوقت الذي يبدو فيه أن سوريا أعادت إحياء دعمها القديم للعمليات المسلحة التي يقوم بها حزب العمال الكردستاني ضد تركيا، وفي حال استمرت هذه الحروب بالوكالة في سوريا لفترة طويلة فإنها قد تحدد الخريطة الاستراتيجية للمنطقة لفترة مديدة. أما العامل الثالث المشجع على التدخل في سوريا فيتمثل في اتساع رقعة الأزمة وامتدادها غرباً وجنوباً إلى كل من لبنان والأردن مع ما سيصاحب ذلك من اشتباكات متفرقة على الحدود، وربما هذا ما يفسر ما تردد عن احتمال إرسال الولايات المتحدة لقوات عسكرية إلى الأردن منذ مطلع الصيف الماضي لمساعدته في التعامل مع تدفق اللاجئين ولمراقبة الأسلحة الكيماوية السورية. ولكن على رغم الحرص على احتواء الأزمة فإنها قد تصل إلى عتبات أوروبا في شرق المتوسط، وهو ما يسلط الضوء على النزاعات التي قد تعيق الاستراتيجية الأميركية والأوروبية في المنطقة، فالطبيعة المفتوحة للحدود البرية والبحرية بين دول المنطقة تعني أن أعداداً كبيرة من اللاجئين السوريين قد يظهرون في قبرص واليونان، إذ يبدو أن أوروبا تشترك فعلاً في الحدود مع سوريا، وبدون التعاون والتنسيق بين تركيا واليونان وقبرص والاتحاد الأوروبي سيكون من الصعب التعاطي مع التداعيات العنيفة للأزمة السورية وتأثيرها على أوروبا نفسها. ومع أن رئاسة قبرص الدورية للاتحاد الأوروبي يفترض فيها تسهيل عملية التنسيق والتعاون بين دول المنطقة، إلا أن الخلافات المستحكمة حول مصير قبرص المقسمة أصلاً سيعيق أي تقارب تركي قبرصي لحل الأزمة ليؤثر بدوره على التعاون بين تركيا والاتحاد الأوروبي وبين هذا الأخير وحلف شمال الأطلسي. وحتى روسيا التي لا تحبذ التدخل العسكري في سوريا قد تقتنع بضرورة احتواء الأزمة السورية بالنظر إلى مصالحها الحيوية في البلقان وشرق المتوسط. وفي المجمل يظل النقاش حول التدخل في سوريا صعباً ومعقداً، ولاسيما عقب التدخل الأميركي في العراق وأفغانستان وتعقيد الوضع العرقي والطائفي في سوريا الذي يمنع السياسيين الأميركيين من المجازفة، بل إن الرأي العام الأميركي والأوروبي ملتبس هو أيضاً في موقفه، إذ في الوقت الذي تساند فيه أغلبية واضحة على ضفتي الأطلسي، كما في تركيا، مبدأ الحماية الدولية الذي أقرته الأمم المتحدة، إلا أن الأمر عندما يتعلق بالأزمة السورية فإن الأغلبية ذاتها ترفض التدخل، ولذا فإنه في الوقت الذي يحتدم فيه الصراع في سوريا ويتدهور الوضع هناك مع تصاعد تكلفة التداعيات واحتمال تمددها إلى دول المنطقة فإن ذلك قد يدفع الدول في أفضل الأحوال إلى بلورة استراتيجية لاحتواء الصراع وحصره داخل الحدود السورية دون أن يصل إلى مستوى التدخل العسكري المباشر. -------- آيان أو ليسر المدير التنفيذي لمركز ضفتي الأطلسي التابع للمكتب الأوروبي لصندوق مارشال الأميركي -------- ينشر بترتيب خاص مع خدمة "كريستيان ساينس مونيتور"