في إطار ما تمر به معظم الدول العربية من أحداث جسيمة على صعيدها الداخلي، لا بد لنا في الإمارات من حماية الجبهة الداخلية من المخاطر المحتملة لتداعيات الأحداث التي تدور في محيطنا الإقليمي. وحماية الجبهة الداخلية التي أتحدث عنها ليست ذات علاقة بإجراءات الأمن العادية، فتلك لها متخصصوها الذين نثق بقدراتهم على أداء واجباتهم على أكمل وجه. وما أتحدث عنه هو موضوع آخر يتعلق بوجود متخصصين وخبراء في حماية الجبهة الداخلية من جميع الجوانب. وعلمياً تتكون الجبهة الداخلية من عدة حقول لكل واحد منها مسؤولية يتحملها لمواجهة المخاطر الداخلية التي يمكن أن يتعرض لها الوطن جراء ما يدور حوله، أو حتى داخله، وتلك الأخطار تأخذ صيغاً ربما أن مجتمعنا لا يزال مكشوفاً أمامها، ونحن لا نعلم بها لأننا لم نقم بعد بدراستها على أسس علمية، توفر لدينا وسائل نقاوم بها المخاطر ونتصدى لها. ودعوني أجتهد وأسوق تعريفاً لأمن الجبهة الداخلية على النحو التالي: "الجبهة الداخلية هي إطار عمل لسياسة تنظم نشاطات الدولة وجميع قطاعات المجتمع لاكتشاف وردع وحماية البلاد، والرد على الاعتداءات وأعمال الشغب الموجهة إلى سلامة الدولة ونظامها السياسي ومجتمعها. وبهذا فإن أمن الجبهة الداخلية، هو جهد وطني يهتم بمنع أي عبث أو اعتداء أو تلاعب أو هجوم من الداخل على أمن البلاد ومقدراتها، والتخفيف من درجة تعرضها لذلك واستعادة الثقة بالنفس وتقليل الضرر الناتج عن مثل تلك الأعمال عندما تحدث. وفي محتوى هذه الاستراتيجية الوطنية، فإن المنع يعني التحرك في داخل الوطن وخارجه لردع ومنع وتحجيم المخاطر الآتية من مثل هذه الأعمال". وفي هذه المرحلة، نعتقد بأن الإمارات تحتاج إلى فريق عمل متخصص من الرجال والنساء يقوم بدراسة وتحليل تفاصيل جبهتها الداخلية في التفرعات الخاصة بها، والتي لا يتسع المجال في هذا المقام لتقديمها. مثل هذا الفريق من أصحاب التخصص والخبرة والمعرفة المتداخلة والمعتمدة على بعضها بعضاً سيكون قادراً على فهم تعقيدات حماية الجبهة الداخلية وصياغة استراتيجية فعالة وكفؤة للتعامل مع المشاكل، التي يمكن أن تتعرض لها البلاد، وعلى تقديم المشورة لأولي الأمر لتنفيذ الجوانب التكتيكية المتعلقة بالاستراتيجية المرسومة بكفاءة عالية، ومن ثم وضع دليل أو خريطة طريق أو منهاج عمل تتم العودة إليه عند الحاجة. وينطلق هذا الطرح من أن لكل حقل معرفي مستقل داعمين من أصحاب المعرفة العلمية والمهنية والممارسين الذين يمكن لهم التصدي باقتدار لدراسة ما يمكن أن يتعرض له المجتمع من مخاطر. ويشير واقع ما يدور من أحداث إلى وجود حاجة وطنية إماراتية إلى متخصصين وخبراء يمكنهم العمل والتفكير عبر تفاعلات الجبهة الداخلية للبلاد. وهذا مشروع نأمل أن يتم الاضطلاع به وتدشينه في أقرب وقت ممكن، وتسمية من يقوده. كمشروع نحن متأكدون من أنه سيعود على الإمارات بكل خير على مدى السنوات القادمة في مواجهة المخاطر التي يمكن أن تتعرض لها على صعيد جبهتها الداخلية. مثل هذا الفريق لو تشكل سيضم ما يقارب 90 أو نيف من المتخصصين، وسيكون الأول من نوعه على مستوى الدول العربية، وسيتيح للبلاد الاستفادة القصوى من جهود أبنائها المخلصين من أصحاب التخصصات النادرة في حقول أو تفرعات الجبهة الداخلية. وإلى جانب ذلك نحن على يقين بأنه توجد نواقص في التخصصات المطلوبة لابد من سدها عن طريق التدريب والتأهيل المتواصل.