تبدو عقول الطيور هذه الأيام أكثر ذكاءً! فقد عثر العلماء على مؤشرات، تدل على تمتع الطيور بمعدل ذكاء أعلى مما نتصور، من خلال دراستهم لسلوك الطيور وتصرفاتها عن كثب. أهم من ذلك أن ما عثر عليه العلماء من خلال دراستهم للطيور، يثير أسئلة علمية جديدة، حول مفهومنا نفسه عن الذكاء بوجه عام، فضلا عن الطريقة التي يتجلى بها الذكاء. خذ لذلك مثلا، الطريقة التي تندمج بها مختلف الحيوانات داخل مجموعاتها. فالقرود تفعل ذلك. أما الإنسان فيعد الكائن الأكثر اجتماعية، والأعلى طورا في مثل هذا الاندماج الاجتماعي، لدرجة أنه بات يعد أهم مؤشر على ذكاء الإنسان كله. ولكن من منا ظن أن للطيور علاقة بمثل هذا الذكاء؟ في الإجابة على هذا السؤال، توصلت دراسة علمية حديثة، أشرف عليها الدكتور "كلمنتين فيجنال"، بمساعدة زملائه في جامعة باريس، إلى أن لطيور الدوري، حساسية اجتماعية عالية، وملفتة للنظر. وفي تقرير علمي نشر للفريق المذكور في عدد يوليو الماضي، من مجلة "الطبيعة"، جاء أن لطائر الدوري، معرفة تامة بمتى ينبغي على الطائر ألا يولي اهتماما لأقرانه، اعتمادا على السياق الاجتماعي المعين، للحظة المعينة. وكان الفريق قد توصل أولا إلى أن ذكر طائر الدوري، يستطيع تمييز صوت أنثاه دون أدنى خطأ أو شك. وتلك مهارة لطالما أثار حولها الكثير من العلماء الشك. ثم تبين لأعضاء الفريق لاحقا، أن الذكر لا يبدي اهتماما لنداء أنثاه، ما لم يكن هناك وجود لزوجين أو أكثر من الطيور، قريبة من مكان الأنثى. وبطريقة أو أخرى، فإن وجود أزواج أخرى من الطيور، يشكل سياقا اجتماعيا للطائر، يثير عنده الشعور بأنه من الأنسب أن يبدي المزيد من الاهتمام لنداء أنثاه.
تلك هي تفاصيل الملاحظات التي سجلها الفريق العلمي عن سلوك الطيور، وطرق استجابتها واندماجها الاجتماعي مع بعضها البعض. غير أن الأهم من ذلك، هو أن الفريق توصل لاستنتاج علمي مهم، مفاده أنه في مقدور كائنات حية، لا تندرج بين سلسلة الحيوانات الرئيسية، مثلما هو حال القرد والإنسان، على تقييم العلاقات الاجتماعية التي تربطها مع بعضها، وتحديد أشكال الاستجابة لها، بين أفراد النوع ذاته، الذي ينتمي إليه الحيوان المعين. تعليقا على هذه الخاصية الأخيرة، قال الدكتور "كريستوفر ستردي"، من جامعة ألبرت الكندية: إنها إحدى خواص الذكاء الأساسية دون شك.
أما طيور الزرياب، فتقدم هي الأخرى، أدلة أكثر إدهاشا على ما تتمتع به الطيور من ذكاء اجتماعي. ففي دراسة علمية نشرها الدكتور "جليرمو باز-مينو" الأستاذ في جامعة نبراسكا، في العدد الأخير من "مجلة الطبيعة" قال إن في مقدور طيور الزرياب، أن تتوصل إلى حل جماعي لموقف ما، دون أن تحدث اشتباكات أو قتال بينها. وأضاف الدكتور قائلا، إن مجرد قدرة هذه الطيور على التعرف على بعضها البعض في اللحظة المعينة، من خلال ملاحظة سلوك أفرادها، يعد مهارة من بين أعلى مهارات الذكاء، التي يطلق عليها علماء النفس، تسمية " التفكير المتعدي".
من جانبها علقت الدكتورة "سارة شيتلورث" من جامعة كندا، في مقال مصاحب لمقال الدكتور "جليرمو"، المذكورة آنفا، بقولها إن العلماء لا يتوقعون أن تكون الطيور على كل هذا القدر من الذكاء. فالواقع أن سلوك طيور الزرياب، يكشف عن مستوى أعلى من المهارات الإدراكية لديها. ومن خلال الملاحظات التي سجلها العلماء حول سلوك النوعين المذكورين من الطيور، يمكن الوصول إلى ما يمكن تسميته بظاهرة الذكاء لدى الطيور. فهناك من الطيور مثل طائر الغراب، يستطيع حتى أن يستعمل بعض الأدوات البسيطة. وهناك طيور أخرى، تعمل على تخزين آلاف مؤلفة من الحبوب في موسم معين، داخل مخابئ مختلفة، تقع في أماكن مختلفة ومتباينة هي الأخرى، سرعان ما تذكر معظمها جيدا، عندما يأتي وقت الحاجة لذلك الاحتياطي الغذائي، فتذهب إلى حيث هي، وتخرج ما اختزنته لتحل به ضائقة موسم محل أو جوع أو جفاف! أليس هذا تأكيدا على ما توصلت إليه المختبرات والتجارب العلمية من أدلة على تمتع الطيور بخاصية الذاكرة؟
غير أن في قدرة الطيور على إظهار نوع من أنواع الخواص الاجتماعية، ما يشير إلى تمتعها بدرجة أعلى من المهارات الذهنية، تفوق كافة تصورات العلماء السابقة عن الطيور. وعلى أية حال، فإن النتائج العلمية التي توصلت إليها الدراسات المشار إليها، لا تمثل قفزة عامة شاملة، في كل ما يتصل بقياس درجة الذكاء عند الطيور، بقدر ما تشير إلى درجة تخصص هذه القدرات والمهارات، عند أنواع بعينها من الطيور. ومهما يكن فإن خواصا إدراكية بمثل هذا التطور، سوف تكون قطعا لصالح الأنواع التي تتمتع بها من الطيور، في مسار عملية تطور الأنواع، وحسم التنافس البيولوجي فيما بينها. إلى ذلك تشير الدكتورة "شيتلورث"، إلى أن على الأرجح أن يميل التطور البيولوجي، إلى تفضيل مثل هذه القدرات، وانتخاب الكائنات البيولوجية التي تتمتع بها، اعتمادا على الظروف الاجتماعية المحددة، التي تنمو فيها مثل هذه الأنواع أو الكائنات.
لكن قبل ذلك وفوقه،