على رغم حالات الفشل المتكررة التي راكمها سجل عملية السلام يواصل الصراع العربي الإسرائيلي مسيرته متعلقاً بما تبقى من أمل، ربما لأنه لا بديل آخر له غير الاستمرار في نفس الطريق، ومع ذلك ظلت عملية السلام في الآونة الأخيرة غائبة تماماً عن دائرة الاهتمام الإعلامي، فأوباما منشغل بمسألة إعادة انتخابه، فيما نتنياهو، مغتبط بحالة الجمود التي بلغتها العملية، وهو ما يطلق يده لمواصلة سياساته التوسعية، وبناء المزيد من المستوطنات، هذا في الوقت الذي يراهن فيه رئيس السلطة الفلسطينية، محمود عباس، على الاعتراف بفلسطين دولة غير عضو من قبل الجمعية العامة للأمم المتحدة علَّ ذلك يُعيد بعض الزخم للقضية الفلسطينية لكي تتصدر الاهتمامات الدولية؛ والحقيقة أن عباس يجازف بخطوته تلك لأن واشنطن أوضحت موقفها المناوئ لها، معتبرة أنها ستأتي بنتائج عكسية، مهددة بعواقب سلبية إن أصر الفلسطينيون على طلبهم. ولكن عباس الذي أعياه طول الانتظار قرر مع ذلك تحمل الغضب الأميركي والمضي قدماً في طلب العضوية الفلسطينية في الأمم المتحدة، ولذا وصف في كلمته أمام الجمعية العامة مأساة الشعب الفلسطيني تحت الاحتلال بفصاحة قائلًا: "نحن نواجه موجات لا تهدأ من الهجمات على شعبنا وعلى مساجدنا وكنائسنا وأديرتنا، وعلى وطننا.."، وأضاف أنه مع ذلك مستعد للاستمرار في مسعاه السلمي، مطالباً المجتمع الدولي بإنقاذ ما يمكن إنقاذه من عملية السلام المحتضرة قبل أن تحيل سياسة إسرائيل، القائمة على المصادرة والتوسع، حل الدولتين إلى وهم كبير. وبما أن أميركا تعارض المبادرة الفلسطينية في الأمم المتحدة فإنه يمكن القول إن عملية السلام التي يريد عباس المضي فيها تستبعد واشنطن، أو على الأقل لن تكون من اقتراحها، والحال أن الدروس المستخلصة من تاريخ عملية السلام تؤكد أنه لا حل للقضية دون تدخل واشنطن ومباركتها. ولعل أول من أدرك هذه الحقيقة هو السادات، الذي عمد إلى طرد مستشاري الاتحادي السوفييتي من مصر في بداية السبعينيات، معلناً استعداده للانضمام إلى المعسكر الأميركي، وإن كانت سياسة نيكسون التي رعاها وزير الخارجية الأسبق هنري كيسنجر قامت على تأخير الاستجابة الجدية لمبادرة السادات لرغبة من كيسنجر في عدم إقحام أميركا في المعمعة حتى يصل التوتر في الشرق الأوسط إلى مرحلة الأزمة للتأثير أكثر على موازين القوى. وهذا الأسلوب الذي اعتمده كيسنجر سرع من المواجهة بين إسرائيل والدول العربية، إذ في أكتوبر 1973 شنت القوات المصرية والسورية هجوماً منسقاً على القوات الإسرائيلية المنتشرة في سيناء والأراضي السورية المحتلة، وحينها اضطر كيسنجر للتحرك والبدء في مفاوضات جدية لإنهاء الصراع. والحقيقة أن أميركا اعتمدت في حل الصراع في الشرق الأوسط على إقرار وجود عملية للسلام في المنطقة كان أول من طرحها وزير الخارجية الأميركي ويليام روجر الذي اقترح خطة سلام على جمال عبدالناصر في عام 1969، وهذه الخطة حتى بعدما قبلها عبدالناصر ورفضتها إسرائيل سرعان ما أُجهضت بتواطؤ من غريمه في الإدارة الأميركية هنري كيسنجر. ومنذ ذلك الوقت وعملية السلام تراكم الفشل دون توقف إلى درجة أنها أفرغت تماماً من أي محتوى حقيقي. وربما يرجع الفشل المتكرر لعملية السلام، التي لاشك أن رعاتها الأميركيين كانوا صادقين في السعي إلى إنجاحها، إلى مجموعة من الفرضيات المغلوطة. أولاها الفرضية القائلة، إن أميركا قادرة على إقناع إسرائيل بوقف سياستها التوسعية ودعم مبادرات السلام الأميركية من دون اللجوء إلى استخدام نفوذها الواسع على الدولة العبرية، ولاسيما أن واشنطن تملك العديد من الأوراق في يدها، مثل المساعدات العسكرية والاقتصادية التي تصل قيمتها السنوية إلى ثلاثة مليارات دولار، بالإضافة إلى الدعم الدبلوماسي والسياسي الذي تقدمه الولايات المتحدة لإسرائيل في المحافل الدولية. وهذا يقودنا إلى الفرضية الثانية، ومفادها أن أميركا لا تستطيع الوقوف في وجه إسرائيل والضغط عليها دون الدخول في مواجهة مع اللوبي الإسرائيلي المتنفذ في واشنطن، الأمر الذي يتحاشاه عادة الرؤساء الأميركيون. والحال أن جورج بوش الأب كان من الرؤساء القلائل الذين تحلوا بالجرأة الكافية للتلويح بورقة وقف المساعدات الأميركية لإسرائيل بعدما انزعج من رفض إسحاق شامير المشاركة في مؤتمر مدريد للسلام في عام 1991 فهدده بوقف المساعدات الأميركية، وهو ما اضطر رئيس الوزراء الإسرائيلي حينذاك إلى الرضوخ من دون التسبب في مواجهة كبيرة للرئيس بوش مع اللوبي الصهيوني في واشنطن. ومع أن مؤتمر مدريد نفسه لم يحقق أي اختراق كبير في عملية السلام، إلا أنه أثبت قدرة أميركا على الضغط على إسرائيل إذا توافرت الإرادة السياسية. أما الفرضية الثالثة التي اعتمدت على إغفال الرأي العام العربي فتتمثل في التناقض الكامن في موقف واشنطن المعلن كراع نزيه لعملية السلام، وفي الوقت نفسه دعمها غير المشروط لإسرائيل، وهذه الممارسة التي كانت ممكنة في الماضي بسبب تعامل واشنطن مع أنظمة في المنطقة تُغيب الرأي العام والشارع، لم تعد كذلك اليوم مع هبوب رياح "الربيع العربي"، حيث لم يعد القادة الجدد قادرين على تجاوز القاعدة الانتخابية، وصار لزاماً على واشنطن أيضاً مراجعة أسلوبها القديم ومعه موقفها من عملية السلام برمتها.