منذ انتهاء الحرب الباردة ومعظم المفكرين والفلاسفة والكتاب في الغرب يطلقون النظريات والمقاربات حول طبيعة الصراع العالمي في القرن الحادي والعشرين، ولكنني أعتقد أن ما يحدث في العالم الآن من صراع يمثل مرتكزاً لنظرية جديدة يمكن أن نطلق عليها "صراع الأشرار". فكتاب "نهاية التاريخ" الذي أصدره المفكر الأميركي "فوكوياما" عام 1992، يعلن موت التاريخ بانهيار الشيوعية وانهزام المعسكر الشرقي، وخروج أميركا منتصرة بامتلاكها زمام قيادة العالم، ومن ثم انطلاقها في تنفيذ مشروعها الإمبراطوري، محطمة أي عقبات في الطريق. ولكن النظرة الفاحصة لما جاء في الكتاب لا تعطي أي تفسير لما يحدث الآن من حروب تشنها أميركا، فهي تقف ضد الضعيف وتتجنب القوي وتعيث في الأرض فساداً، لذا سيكون الرد العالمي المنطقي عدم التسليم بالانقياد للقوة العظمى، ولذلك ستبحث معظم الدول عن أي وسيلة لتأكيد تمردها على مصالح الإمبراطورية. وعندما نشر الكاتب الأميركي اليهودي "صامويل هنتينجتون" مقاله ثم كتابه "صدام الحضارات" في عام 1996، أكد على أن التفاعل بين الإسلام والغرب هو صدام بين الحضارات، بمعنى أن المواجهة القادمة ستأتي حتماً من العالم الإسلامي. ويمثل الكتاب أول دراسة أميركية تضع الإسلام العدو البديل الذي حل محل الشيوعية في مقارعة الغرب، بالرغم من ظهور كتابات سابقة تتنبأ بالصراع المستقبلي بين الإسلام والغرب مثل كتابات "آلان توران"، ولكن ما يميز نظرية "هنتينجتون" حول صراع الحضارات هو بشاعة الرؤية وانتشارها كنبوءة، وتحديد إطارها الزمني بالعقدين الأولين من القرن الحادي والعشرين. ويتنبأ الكاتب بأن عام 2010 سيكون البداية لحرب عالمية ثالثة، المسلمون فيها هم العدو الأول والأخطر للغرب.
ولكن التاريخ يدحض نظرية صدام الحضارات لسبب بسيط، هو أن الحضارات لم تتصارع أو تتصادم عبر الحقب التاريخية المختلفة، وخير شاهد على ذلك الدور الإنساني الفردي والجماعي في الحفاظ على التراث الحضاري الموروث من ناحية، وعدم وجود أية آثار على قيام حروب بسبب التقدم الحضاري أو لفرض هيمنة حضارية من ناحية أخرى. من كل ما سبق نجد أن نظرية "صدام الحضارات" لا تعبر في الواقع عن حقيقة وأبعاد الصراعات التي تدور في بداية القرن الحادي والعشرين.
وإذا انتقلنا إلى نظرية "صراع الأديان" التي يعزوها البعض إلى الحروب الصليبية في القرون الوسطى، التي تطورت بفعل السياسات العدوانية للإمبراطوريات الغربية، نجد أن الكاتب الأميركي "جون دي اسبوزيتو" في كتابه المنشور عام 1993 بعنوان "الخطر الإسلامي" قد أشار إلى مفهوم التهديد الإسلامي للغرب، حتى أن الرئيس بوش أخطأ في استخدام تعبير شن حرب صليبية ضد "الإرهابيين" المسلمين، معتقداً أن الدافع الديني سوف يكون حافزاً إلى النصر على المسلمين المتطرفين الإرهابيين.
ونتذكر هنا تصريح الرئيس الأميركي الأسبق نيكسون عن "حتمية الصراع بين الغرب المسيحي والعالم الإسلامي"، وهو ما أكده أمين عام حلف شمال الأطلسي حينذاك من أن الإسلام هو الخطر القادم أو العدو البديل بعد سقوط الاتحاد السوفييتي، على الرغم من أن الغرب كان يتعاون قبل هذا السقوط مع الإسلام لمحاربة الشيوعية. ولا ننسى الدراسة التي صدرت عام 1990 في الدورية البريطانية الشهرية "أتلانتيك" بعنوان "جذور الغضب الإسلامي"، التي أعدها "برنارد لويس" المسؤول السابق في المخابرات البريطانية والمتخصص في الدراسات الإسلامية، حيث توقعت الدراسة صعود التيار الإسلامي الراديكالي، والذي سيدفع بالعالم إلى صدام تقوده الولايات المتحدة كزعيمة للمسيحية في مواجهة العالم العربي الإسلامي برمته، وتوقع الكاتب النصر لأميركا، ولبننة دول منطقة الشرق الأوسط، وتمكين إسرائيل اليهودية من المنطقة.
ولكن من الخطأ قبول هذا التصور الاستراتيجي لنظرية "صراع الأديان" لتفسير ما يحدث الآن من صراعات، لأن الديانات عموماً، والإسلام والمسيحية على وجه الخصوص، ترفض فكرة الصراع بل إنها تقف في وجه مروجيها لأن الدين يقوم على أساس المحبة والتسامح والسلام والتوجه لعبادة الله. والقيم والمبادىء التي يقرها الدين تسعى في مجملها للحض على الأخوة والمساواة والعدالة بين البشر وحرمة الملكيات الخاصة والعامة، وكلها قيم تحث على التعايش السلمي وحسن الجوار والحفاظ على الأرواح وليس إزهاقها، والتعاون على البر والتقوى، وليس التعاون على الإثم والعدوان، لذلك يصعب بل ربما يستحيل تفسير الصراعات الدائرة حالياً وفق نظرية "صراع الأديان".
تبقى نظرية "صراع الثقافات" وهي الوجه الآخر لنظرية "صراع الحضارات"، حيث حاول منظروها ومفكروها أن يحيلوا كل الأفعال والأقوال التي تقوم بها أطراف الصراع إلى اختلاف الثقافات، لأن الثقافة هي الترجمة العملية والناتج النهائي الذي يعبر عن مخزون مجموعة المعتقدات والأفكار ومنظومة القيم الدينية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية والبيئية لهذه الأطراف، والتي نجم عنها ثنائيات التطرف والاعتدال، العدوانية وا