ربما لا تكون العملية العسكرية الإسرائيلية المحتملة ضد المواقع النووية الإيرانية وشيكة. لكنها قد لا تكون بعيدة. فالمؤشرات كلها تدل على أن قلق المؤسسة السياسية الأمنية في إسرائيل يزداد، لكن الأكثر خطراً هو الدلائل المتزايدة على أن صبرها ينفد. ولم تكن كلمة رئيس الوزراء الإسرائيلي النارية أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 27 سبتمبر الماضي إلا دليلاً آخر على ذلك، وربما على ما هو أكثر منه. فلم يكتف نتنياهو بإعادة تأكيد موقف صار معروفاً للكافة، وهو أن إسرائيل لن تسمح بامتلاك إيران قوة نووية عسكرية، بل تجاوزَه إلى توجيه رسالة تفيد بأن الدولة العبرية ستتصرف بمفردها إذا لم يضع المجتمع الدولي خطاً أحمر صارماً أمام طهران. وهذه رسالة جديدة حين تُوجه من منصة الأمم المتحدة، وربما قصد نتنياهو أيضاً أن تبدو كما لو أنها هي الأخيرة. فأي تأخر في وضع الخط الأحمر -كما يراه- يطلق يد إسرائيل في التصرف لأنها "لن تقبل تكرار الخطأ التاريخي الذي ارتكبه العالم عندما لم يضع خطاً أحمر لهتلر ثم لصدام حسين، ولو كان العالم قد وضع خطاً أحمر أمامهما وأوقفهما مبكراً لما حدثت الكوارث التي عانى منها". وهذه رسالة إلى "العالم"، لكنها موجهة في المقام الأول إلى الولايات المتحدة بعد أن أصبح الخلاف بين نتنياهو وأوباما واضحاً بشأن تقدير مدى الحاجة إلى التحرك عسكرياً ضد البرنامج النووي الإيراني في المدى القصير. فلا يزال لدى الولايات المتحدة رصيد من الصبر يعود غالباً إلى اختلاف في تقدير حجم الخطر المترتب على برنامج إيران النووي ومدى إلحاحه. ولعل هذا يفسر حرص نتنياهو على أن يسجل أمام العالم تصورَ إسرائيل لتطور هذا البرنامج، وهو أنه "سيصل إلى مرحلته النهائية في الربع الثالث من العام المقبل على أقصى تقدير". فهو يتحدث إذن عن مدى قصير للغاية يقل عن عام. ولا يخفى أن في كل هذا تمهيداً يهيء المجتمع الدولي لتصرف إسرائيلي منفرد في لحظة يصعب توقعها الآن، لكنها لا تبدو بعيدة في ضوء هذه الرسالة. ومن الطبيعي أن إسرائيل لن تبادر بعملية عسكرية منفردة إلا بعد حساب النتائج التي يمكن أن تحققها، وهذا فضلاً عن التأكد من أنها لا تحتاج إلى مساعدة عسكرية أميركية، وتستطيع في الوقت نفسه الحصول على الدعم السياسي المطلوب من الولايات المتحدة بشكل أو بآخر، أو تضمن على أقل تقدير عدم حدوث شرخ في العلاقة معها من جراء وضعها أمام أمر واقع يمكن أن يكون حرجاً بالنسبة لها. ففي ظل المعطيات الراهنة، وفي ضوء الخلاف الذي بات واضحاً بين تل أبيب وواشنطن، يصعب تصور قيام إسرائيل بإبلاغ الولايات المتحدة إذا اتخذت قراراً بتنفيذ هذه العملية. فالأرجح، وربما الأكثر منطقية، هو أن تكون العملية مباغتةً بحيث لا يكون لدى الرئيس الأميركي وقت للاعتراض والمطالبة بتأجيلها ومواصلة النقاش حولها. لذلك صار ضرورياً طرح سؤال لم يعد مجرد افتراض نظري، وهو: ماذا تفعل الولايات المتحدة إذا فوجئت بعملية عسكرية إسرائيلية ضد المواقع النووية في إيران؟ الإجابة الأولى التي تتبادر إلى الذهن هي أن تسعى واشنطن إلى إقناع إسرائيل بوقف العملية خلال الوقت القصير الذي تستغرقه المسافة التي تقطعها الطائرات من قواعدها إلى أهدافها في إيران. فالمفترض، وربما الأكيد، أن ترصد الأجهزة الأميركية تحرك المقاتلات والقاذفات الإسرائيلية باتجاه إيران فور إقلاعها. والأرجح أنها تستطيع إبلاغ الرئيس الأميركي خلال دقائق قليلة، وربما بالتزامن مع اختراق هذه الطائرات الأجواء الأردنية. وعندئذ سيكون أمام ساكن البيت الأبيض أكثر قليلاً من ساعة واحدة لأن المسافة التي تحتاجها الطائرات لدخول الأجواء الإيرانية عن طريق العراق تقدر ما بين 80 و 90 دقيقة. وسيكون الاتصال الفوري مع نتنياهو، وفتح خط ساخن بين كبار المسؤولين السياسيين والأمنيين في الجانبين، هو الخيار الوحيد أمام الرئيس الأميركي. والأرجح، وفق المعطيات الراهنة أيضاً، أن محاولات إقناع تل أبيب بوقف الهجوم وإعادة الطائرات، لن تكون مجدية إلا إذا كان هدفها تكتيكياً وهو رفع مستوى الضغط على واشنطن ووضعها في موقف حرج يجعلها مضطرة لتحديد ما أسماه نتنياهو الخط الأحمر، وتوجيه إنذار نهائي لإيران. أما إذا كان القرار الإسرائيلي هو تنفيذ العملية العسكرية حتى نهايتها، فسيتعذر إقناع قادتها بعدم إكمالها وإعادة الطائرات إلى قواعدها. وعندئذ سيكون على واشنطن أن تدير أزمةً غير مسبوقة لم تواجه مثلها من قبل. والأرجح في هذه الحالة أن تبادر واشنطن بإعلان أن إسرائيل تحركت دون علمها، وتطالبها بوقف الهجوم دون أن تستخدم تعبير "الاعتداء"، وتناشد إيران في الوقت نفسه ضبط النفس. وليس مستبعداً، في هذا السياق، أن يجري مسؤولون أميركيون اتصالات مباشرة مع طهران لتوضيح موقفهم بشكل مباشر. وربما تشمل الرسالة الموجهة إلى طهران، في هذه الحالة، مطالبتها بعدم الرد حتى لا تتدخل الولايات المتحدة إلى جانب إسرائيل وتنشب حرب واسعة قد تشعل المنطقة كلها. فإذا لم تقرن الولايات المتحدة تنصلها من المسؤولية عن الهجوم بمثل هذا التنبيه (التهديد)، فقد تسيء إيران التفسير وتعتقد أن بإمكانها الرد بأية طريقة دون أن تتحرك واشنطن حتى إذا لم يشمل هذا الرد ضرب مصالح أميركية في المنطقة. ولذلك فمن الطبيعي أن تتحرك واشنطن لتفعيل الدفاع الصاروخي في منطقة الخليج ووضع قواتها في حال تأهب قصوى استعداداً للتعامل مع أي رد إيراني محتمل. والأرجح أن يتوقف حدوث هذا الرد، وحدوده أو المدى الذي يبلغه، على عاملين: أولهما قدرة إيران على رد فوري قوي. ويتوقف ذلك بدوره على فاعلية الحرب الكهرومغناطيسية التي ستشنها إسرائيل بالتزامن مع قصف المقاتلات بهدف إحداث شلل في البنية التحتية الإيرانية، خصوصاً في مراكز الاتصال والتحكم والسيطرة. وثانيهما تقدير إيران الفوري لحجم الخسائر التي يمكن أن تمنى بها وبالتالي حدود نجاح العملية العسكرية الإسرائيلية أو فشلها. فإذا لم تحقق هذه العملية نجاحاً كبيراً، وحافظت إيران على قسم أساسي من قدرتها النووية يمكنّها من مواصلة برنامجها، فربما تفضل أن يكون ردها هو تسريع هذا البرنامج الذي قد يصعب وقفه بعد استنفاد أقصى ما يمكن فعله لتحقيق هذا الهدف وهو الهجوم المسلح. وفي كل الأحوال ستكون واشنطن في اختبار عسير لقدرتها على إدارة أزمة هائلة غير مسبوقة والحيلولة دون تحولها إلى حرب إقليمية مدمرة.