بدأت منذ أن نشرت مقالي بعنوان "رؤى استراتيجية جديدة" في 20/9/2012 تحليل عدد من الرؤى الاستراتيجية التي صاغها خبراء مرموقون أو مراكز بحثية للتدليل على أننا -في سبيل رسم رؤية استراتيجية لمصر بعد ثورة 25 يناير- لن نبدأ من الصفر، وإنما يمكننا أن نبني على هذه الرؤى التي تمت صياغتها بالفعل ونشر بعضها ولم ينشر البعض الآخر. وقد بدأنا بالرؤية التي صاغتها كل من الدكتورة "هناء خير الدين" والدكتور "هبة هندوسة"، وكان عنوانها البارز "البحث عن الاستقرار السياسي والعدالة الاجتماعية". ونعرض اليوم لرؤية استراتيجية ثانية تضمنها تقرير "التنمية البشرية 2005" وكان عنوانه "اختيار مستقبلنا: نحو عقد اجتماعي جديد". وجاء هذا التقرير باعتباره حلقة من سلسلة متكاملة لتقارير التنمية البشرية أصدرتها وزارة التخطيط، واعتبرت منذ صدورها إضافة قيمة للمكتبة التخطيطية المصرية، وقد أشرفت على تحرير هذا التقرير الدكتور "هبة هندوسة". والسؤال الآن هو ما هي الرؤية التي ارتآها هذا التقرير لمصر في عام 2015؟ (لا ننسى هنا أنه صدر عام 2005، أي أنه استشراف في المدى القصير لمدة عشر سنوات فقط). تتلخص هذه الرؤية كما جاء في التقرير "في توفير حياة أفضل للمجتمع المصري ودمج الفئات المحرومة في المجتمع، باتباع نموذج يقوم على خلق عقد اجتماعي جديد بين الحكومة والمواطنين". ونريد هنا -قبل أن نسترسل في عرض مفردات هذه الرؤية- أن نركز على الأهمية القصوى لفكرة العقد الاجتماعي الجديد. هذه الفكرة تأتي عادة حين يصل مجتمع ما إلى حالة من التدهور في سياساته ومؤسساته، مما ينعكس سلباً على نوعية حياة الجماهير العريضة. ومن ثم تبدو الحاجة ماسة -حتى لا يحدث انقلاب غير محسوب على الأوضاع السائدة- إلى صياغة عقد اجتماعي جديد بين الحكومة والمواطنين. وهذا العقد يفترض فيه -نظرياً- أن يقوم بتصحيح العلاقات السياسية المختلة بين الحاكمين والمحكومين، بالإضافة إلى محاولة رأب الفجوة الطبقية الكبرى بين من يملكون ومن لا يملكون، وذلك لصياغة سياسات اقتصادية واجتماعية، تحقق هدف العدالة الاجتماعية ولو على المدى الطويل. وقد التفت التقرير منذ البداية إلى أن نمو الناتج المحلي الإجمالي لا يمكن أن يساعد بمفرده على زيادة مستويات الرفاهية، ولذلك أكد على أن تخفيض مستوى الفقر هو أفضل نهج لتحسين الأوضاع. وقد حدد التقرير عدة أهداف يتعين تحقيقها وأول هذه الأهداف هو تشجيع إعادة توزيع العمالة لتتحول من قطاع الزراعة إلى قطاع الصناعة لتحقيق إنتاجية أعلى ودخول أكثر ثباتاً. ويستلزم ذلك رفع مستوى الإنتاجية داخل قطاع الصناعة، ويستدعي هذا الهدف ثلاثة أنواع من التدخلات. الأولى، تدخلات ذات نتائج إيجابية سريعة تهدف إلى وضع وتنفيذ برنامج شامل لتحسين إنتاجية قطاع الزراعة. والتدخل الثاني يتمثل في استيعاب مشاكل الوجه القِبلي بهدف تقوية الروابط الاقتصادية بين المناطق الريفية والأسواق المحتملة لمنتجات ومدخلات المزارعين. وأخيراً تدخلات على المستوى القومي في ثلاثة مجالات رئيسية، وهي تطوير العشوائيات، وتدعيم حماية البيئة، والقضاء على عدم المساواة بين الجنسين. والهدف الثاني الذي يشير إليه التقرير هو إنشاء برنامج قومي لتدعيم جودة السلع والخدمات العامة. والهدف الثالث تغيير فلسفة التعليم، بالانتقال من التفكير التقليدي إلى التفكير النقدي، وتشجيع مهارات الإبداع والابتكار. والهدف الرابع التوجه نحو التشغيل الكامل، وذلك من خلال إصلاح نظم التعليم والتدريب، وتغيير نظام الحوافز للإقبال على العمل في المشروعات الصغيرة بدلاً من العمل في الجهاز الحكومي، والنهوض بنمو المواد المدرة لفرص تشغيل كثيفة. والارتقاء بمهارات قوة العمل عن طريق دعم التدريب المهني، كل ذلك بالإضافة إلى رفع حجم الاستثمار وتوجيهه نحو أساليب إنتاج كثيفة الاستخدام للعمالة والأنشطة الموجهة للتصدير والمنشآت الصغيرة. وعلى المستوى البيئي أشار التقرير إلى تخفيض نسبة السكان الذين لا تصلهم مياه الشرب الآمنة وخدمات الصرف إلى النصف، وإعداد خطة قومية متكاملة لإدارة الموارد المائية. وقد بين التقرير منهجية خاصة في بناء رؤية مستقبلية لمصر في عام 2015، هي منهجية بناء السيناريوهات، وهي طريقة متبعة في مجال استشراف المستقبل. ورأى التقرير أن هناك سيناريوهين أساسيين لمستقبل مصر. أحدهما السيناريو الذي يبقي على الاتجاهات العامة السائدة دون تغيير، والثاني هو السيناريو المتفائل أو الأفضل، الذي يحاول وضع رؤية مستقبلية في ظل إنجاز الإصلاحات اللازمة للتغلب على المشكلات الحالية. وقد طرح في إطار هذا السيناريو مفهوم جديد هو "العقد الاجتماعي" الذي ينبغي إبرامه بين الحكومة والشعب، وهو يستهدف في الأساس بناء جسر من الثقة بين الحكومة ومختلف فئات الشعب وبخاصة المهمشين والفقراء. وتبدو المزايا الفارقة في سيناريو الوضع الأفضل في عدة جوانب رئيسية. ولعل أهمها تحقيق معدل نمو في قوة العمل يبلغ 3,6 في المئة (وهذا يفوق الرقم السائد وقت وضع التقرير وهو 3 في المئة) وذلك بفضل الدور المتوقع للقطاع الخاص في توليد المزيد من فرص العمل، ولذلك يفترض هذا السيناريو انخفاض معدلات البطالة إلى مستوى 6 في المئة في عام 2015. كما يطمح السيناريو الأفضل إلى الزيادة في معدلات الإلمام بالقراءة والكتابة، وارتفاع معدل النمو إلى 7,3 في المئة، وزيادة في معدل الادخار ليصل 30 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي عام 2015، كما أن العجز في الموازنة العامة سينخفض بشكل ملحوظ، ويتطلب تحقيق سيناريو الوضع الأفضل من الحكومة وضع قواعد مبسطة لتنظيم حيازة العقارات وتسجيل وترخيص المنشآت مع تخفيض الضرائب، وتحسين الإدارة الضريبية، ومراجعة نظام التأمين الاجتماعي. وقد التفت التقرير إلى أهمية التنمية المكانية، واقترح إغلاق مدينة القاهرة أمام الهجرات المتتالية إليها من الريف، وإنشاء عاصمة جديدة لمصر تكون مركزاً إدارياً ومركزاً بديلاً للتنمية. وقد التفت التقرير بذكاء إلى تحديات تطبيق هذه الرؤية الاستراتيجية، وأولها التمويل، غير أنه إن أمكن التغلب على صعوباته تبقى أهمية الإطار السياسي، ويتضمن هذا وجود التزام بقضية التنمية، وإرادة قوية لتحقيق هذه الأهداف، ومصداقية التمسك بمبادئ الحكم الرشيد. وكل هذه التحديات عجز النظام السياسي في عهد الرئيس السابق مبارك عن تحقيقها، لأن قادته لم يدركوا في الوقت المناسب أن النظام بكل مثالبه وفساده وعجزه الفاضح عن إشباع الحاجات الأساسية للجماهير قد وصل إلى منتهاه كما عبرنا عن ذلك صراحة في مقال لنا نشر في جريدة "الأهرام" قبل الثورة، وأن الحاجة الماسة تدعو لإبرام عقد اجتماعي جديد بين الدولة والمواطنين، يقوم أساساً على شعارات ثورة 25 يناير "عيش وحرية وكرامة إنسانية". ولم يكن غريباً إذن بعد أن عميت أبصار قادة النظام السابق الذي أسقطته الثورة عن الدعوات الملحة للتغيير، أن تسقط الثورة النظام لتبقى الدعوة المبكرة لصياغة عقد اجتماعي جديد قائمة، وتحتاج إلى تفعيل وفق رؤية استراتيجية بصيرة.