نحتاج إلى تمييز بين السُّلطة والطائفة أو الدِّين، بين الحكم والقوم، فالمسؤول عادة عن المحاسن والمساوئ هو الحاكم، الحزب أو الشَّخص، لا الطائفة التي ينتسب إليها. فعندما كتب الباحث العِراقي المرموق هادي العلوي (ت 1998) كُتيبيه: "الاغتيال في الإسلام" و"التعذيب في الإسلام" (1987) جاءت الردود حينها، وكنت أحد الرادين، بأنه لو سمى الدول بأسمائها: أموية أو عباسية، لكان أكثر واقعية من تسميتها بالإسلام، ويغلب على الظن أن العلوي قصد الدولة لا الدين. كذلك الحال لمَن كتب عن أهل الأديان الأُخر في ظل الدُّول الإسلامية وجمعهم "في الإسلام"، فأضاع تشخيص الوقائع، فمِن الدُّول عدلت ومنها ظلمت. ليس فقط في الشَّأن السياسي، بل أرى أفضلية التشخيص في الأمور الأُخر أيضاً: كالفن والأدب والشِّعر إلى آخره. ربما المستشرقون والأجانب، بشكل عام، يميلون إلى التعميم في عناوينهم، على سبيل المثال كتاب فالترهنس "المكاييل والأوزان الإسلامية" (الجامعة الأردنية 1970)، مع أنه تحدث عن مكاييل دول وسلطنات. لقد أُخذت الطوائف بجرائر السلطات، فالغرب بشكل عام، وعلى الأخص الأميركان، عندما كانوا يتحدثون عن النظام العراقي السابق يشيرون إليه بالسني، وعندما يتحدثون عن الحقوق يشيرون إلى: الكُرد والشيعة، على أن المتلقي يفهم أن الحكم كان سُنياً، مع أنهم كانوا يتعاملون مع معارضين سُنيين أيضاً، وأن "الحزب الإسلامي العراقي" السُّني كان في المعارضة، وأول عالم دين قُتل هو الشَّيخ عبد العزيز البدري (1969)، وكان عضواً في "حزب التحرير"، ثم شَكّل "الكتلة الإسلامية". ظهرت سلبية هذا الطرح بعد سقوط النظام، فأُخذ يُشار إلى السُّنِّي على أنه السلطة وأن الآخرين هم المتسلط عليهم. قبل هذا أُشيرَ إلى حزب "البعث" بالسُّنِّي مقابل الحزب الشِّيوعي العراقي بالشِّيعي (العلواني، العراق الحديث بين الثَّوابت والمتغيرات). ومع أن البعث تأسس مِن قِبل شيعي هو فؤاد الرِّكابي (اغتيل 1971)، وأغلب قادته كانوا من الشيعة في انقلاب فبراير (شباط) 1963. أما الحزب الشِّيوعي فتأسس مِن قِبل عراقيين مختلفين بينهم يوسف سلمان يوسف الشهير بفهد (اُعدم 1949)، وقادته كانوا من عانة والنَّجف وديالى وأربيل والموصل وبغداد والبصرة وسواهنَّ من حواضر العراق، أي كانوا سُنَّة وشيعة وكُرداً وصابئة وأيزيديين ومسيحيين ويهود. وباعتقادي أن بث هذه التصنيفات كان بقصد الحث على التناحر الطَّائفي، والشواهد لا تحصى. تلك مقدمة، وإن كان فيها إطالة، وجدتها ضرورة لما نتناوله من موضوع راهن، ألا وهو ما يُقدم في الإعلام المرئي والمسموع والمكتوب في الشأن السوري، حتى أخذ التضامن مع السلطة أو الثائرين يفهم ويوجه على هذا الأساس. هنا ستضيع الحقوق، ويظهر الجانبان المتحاربان ضحيتين، مع أنه مهما كانت المعارضة شاهرةً سلاحها فيبقى النظام هو المسؤول، وعلى وجه الخصوص بعد الهزات التي أصابت بقية البلدان، وهي بلا شك إشعار للنظام السوري بعمل شيء ما، وفي المقدمة تأتي التهيئة التدريجية للتخلي عن السلطة، وهيمنة الحزب الواحد وسط هذه المتغيرات الخطيرة. للأسف أكثر ما قرأته عن الطائفة العلوية أو النُّصيرية، وهو الاسم الأصل ولي حجتي في ذلك، أنها مأخوذة برجال سياسة وأيديولوجيا، لا علاقة لها بالطائفة سوى أنهم ولدوا مِن أبويين نُصيريين، أو انتسبوا إلى عشيرة أو منطقة مِن مناطق الطَّائفة. على سبيل المثال أصدر الأكاديمي التُّونسي المنصف عبد الجليل كتاباً تحت عنوان "الفرقة الهامشية في الإسلام" (تونس 1999)، وهو رسالة أكاديمية، وأخذ العلويين أو النُّصيريين واحدة من أربع. إلا أن عبد الجليل نسب إلى هذه الطائفة أفكارَ ونشاط القومي زكي الأرسوزي (ت 1968)، وهو الكائن القومي والأساس النَّظري لحزب البعث العربي الاشتراكي، فما علاقة الطائفة وإن كان نُصيرياً أو علوياً، فهل كان انطلاق أفكاره من نُصيريته أو من قوميته العربية، ليُقدم ممثلاً لمجمل مقالات وتصورات هذه الطَّائفة؟! قبله كتب تقي شرف الدِّين كتاباً بعنوان "النصيرية دراسة تحليلة" (نسخة بي دي أف من المكتبة الوقفية)، وجعل همه لإثبات أن هذه الطائفة كانت تخطط، منذ 1920 للهيمنة على البلاد، ليصل إلى حافظ الأسد (ت 2000)، بأن علويته أو نُصيريته جعلته يخون الأمة العربية أو كلام مِن هذا القبيل. وماذا نقول عن العلوي أو النُّصيري والقيادي البعثي صلاح جديد (ت 1993) الذي انقلب عليه الأسد، ورماه في السجن، حتى مات، مع مجموعة مِن الضباط العلويين أيضاً والسُّنيين، بينما ظل سُنيون جزءاً من النظام حتى هذه اللحظة؟! أقول: هل يمكن حساب تجربة ميشيل عفلق (ت 1989) في حزب البعث وتنظيره على أنه كاثوليكي؟! أو هل يُحسب تحرك وتنظير يوسف سلمان يوسف مؤسس الحزب الشيوعي العراقي، مثلما مرَّ ذكره، على أنه سرياني أم أنه ماركسي؟! أو يؤخذ نشاط فؤاد الركابي المار الذِّكر، على أنه نشاط شيعي لا قومي بعثي؟! أرى في ذلك إقحاماً غير موفق للطوائف فيما يتصرف به أبناؤها أو المنتسبون إليها. صحيح أن مَن يصل إلى السلطة يحاول الاعتماد على الأقربين، من أبناء طائفة أو مدينة أو قرية، لكن ليس معنى هذا أن يُشار إلى "البعث" بالعراق على أنه سُني، و"البعث" بسوريا على أنه علوي نُصيري. هذا ليس كلاماً جاداً، ولا أدري كيف يمر على أهل الأكاديميات. إن خطورة هذا التأويل تأتي على المجتمع المتنوع، وسيقود إلى ضغائن وممارسات ضد طائفة كاملة، منها مَن صار ضحية للنظام، والشاهد صلاح جديد وسواه. لذا نحذر من هذه الثقافة التي جعلت داخل عراقنا العزيز أن المواطن السني متهماً بجريرة النظام السابق، بل وأخذت تُحسب عليه ممارسات "القاعدة" والإرهاب، وأكثر دعاوى الإرهاب كذباً توجه ضده، وكأن ليس هناك مقاتل جماعية بالأنبار وتكريت وديالي والموصل وسامراء. أرى أن يُحترس مِن هذا الطرح، وهذا المزج العشوائي، بين الطوائف والأنظمة التي تُقاد من المنتسبين إليها، الشيء نفسه الآن، يجري الحديث عن العراق بأن الشيعة الإمامية هي الحاكمة، وبالتالي تُحسب عليها الصَّغيرة والكبيرة، والأمر ليس كذلك. لذا لابد من الحرص في الطرح والتمييز بين الأنظمة والطوائف. لنا عودة في اسم النُّصيرية ولحظة افتراقها عن الشيعة الإمامية.