في أغلب الأحيان، فإن أي جهد مهما كبر حجمه واتسع تأثيره لن يُلتفت لحقيقة أثره مالم تُعزّزه تغطية تسويقية تليق به. وكل مشروع رائد لا يملك أداةً إعلامية، لن يصل صداه مهما علا إلى من حوله. وما بدأت حديثي بهذا الأمر إلا كتعليق على ما قالته المنسقة التنفيذية للعمل التطوعي بالأمم المتحدة "فلافيا بانسيري" قبل بضعة أشهر: "في الوقت الذي نحتفل فيه بمرور عشر سنوات على بدء الاحتفال باليوم الدولي للمتطوعين، لا تزال مساهمة العمل التطوعي تحظى باعتراف جزئي فقط!". ولئن كان الأمر كذلك في الدول التي سبقتنا للعمل التطوعي، فكيف الأمر بنا نحن، ولا يزال الوعي بأهمية هذا الدور شبه غائب أو مشوّش في أفضل الأحوال! لم يكن اهتمام دولتنا الحبيبة متأخراً بهذا الجانب، فبعد ثلاث سنواتٍ فقط على قيامها صدر القانون الاتحادي المنظّم لعمل جمعيات النفع العام التطوعية إيماناً من القيادة الرشيدة بأهمية هذا الجانب ودوره المكمّل لعمل المؤسسات الحكومية ، فهو ليس بديلاً عن دور المؤسسات العامة، وإنما معزّزاً لها لتحقيق الأهداف التنموية المختلفة. ولبيان تأثير هذا العمل "المبخوس حقه إعلامياً"، نشير إلى ما ذكرته مديرة برنامج الأمم المتحدة الإنمائي "هيلين كلارك" لذكر جزئيةٍ واحدة لما يمكن أن يُضيفه العمل التطوعي من فارق حيث تقول: "منذ عام 1998 تم تجنيد 20 مليون متطوع معظمهم من المحليين في إطار المبادرة العالمية للقضاء على شلل الأطفال. ومعاً ساعدوا على تحصين أكثر من 2.5 مليار طفل في العالم!" منذ فترة تم إطلاق جمعية جديدة اسمها "كلنا الإمارات" برئاسة سمو الشيخ طحنون بن زايد آل نهيان. ورغم حداثة تجربتها إلا أنّ المتبصر سيرى اختلافاً مهماً تحمله هذه الجمعية رغم تشابهها مع زميلاتها من جمعيات النفع العام والتطوعي. فهي وإنْ شاركت البقية في التأكيد على تعزيز الانتماء الوطني، وتشجيع روح المبادرة لدى الأفراد، وترسيخ أهمية تحمل المسؤولية تجاه الوطن ومصالحه وأمنه، وتعزيز ثقة المجتمع بكافة أطيافه وفئاته بأبنائه وتطوّعهم لخدمته، وزيادة قدرة التفاعل والتواصل بين أفراد المجتمع والحد من السلبية وبما يساهم في تنمية وتعزيز الحس الاجتماعي، وتوجيه طاقات الشباب المتأججة نحو فائدة المجتمع وبما يزيد من تماسك بنيانه، إلا أن هذه الجمعية تتميز بأمور لا تخفى على من عرف العمل التطوعي وسبر أغواره، فلها خصوصية لا تُشابه غيرها وبها مميزات أوجدت من حكمة وحنكة غير مسبوقة. فالجمعية سعت إلى الخروج بالعمل التطوعي بالدولة من العفوية والارتجالية في كثير من الأحيان ومن الاعتماد على ردّات الفعل ومحاكاة الآخرين، إلى قولبة هذا العمل في إطار مؤسسي منظّم وفعّال، وهادف إلى مراعاة خصوصية البلد وثقافته ومزيجه المختلف، وحرصت على حُسن اختيارها للاسم "كلنا الإمارات" للخروج بالعمل التطوعي من النطاقات الضيقة المحصورة في المناطق المحلية المحدودة جغرافياً إلى المستوى الوطني الكبير لتأكيد وتعزيز الانتماء الوطني وأهمية الشعور بـ"الكل" في مقابل النطاق الجزئي، فهي للإمارات كلها، ومن خلال الكل أيضاً. الجانب الآخر المهم، والذي كان إشكاليةً كبيرة تواجه الدول العربية ودول العالم النامي واستطاعت جمعية "كلنا الإمارات" أن تنزع فتيله تماماً هو مرجعيتها وهويتها الوطنية مئة في المئة. وللتوضيح أكثر فإن كثيراً من مؤسسات العمل التطوعي في هذا الجزء من العالم يكتنفها بعض الغموض فيما يخص حقيقة صلتها بجهاتٍ خارجية ذات أجنداتٍ خاصةٍ بها سياسية كانت أم عقائدية، بل لقد أشارت العديد من التقارير إلى ارتباط بعض هذه الجمعيات بأجهزة استخبارية أجنبية، الأمر الذي يجعل جمعية "كلنا الإمارات" مؤسسة مجتمعية موثوقة من "أهل الدار" أنفسهم ولأهل الدار وصالحهم وما يعود بالخير "المحض" عليهم! جانبٌ آخر أيضاً لا بد من ذكره ويتعلق بخصوصيتنا كعرب، إذ تشير الأبحاث أنه لا يزال الشباب من سنّ 15 سنة حتى 30 سنة، هي أقل فئة مهتمة بالتطوّع، وقد انتبهت له الجمعية بتشجيع الصغار من سن العاشرة للانضمام لأنشطتها، وقامت بالتواصل الجيد مع المؤسسات التعليمية لزرع وتنمية هذا الجانب الإيجابي الخلاق في نفوس الطلاب منذ نعومة أظفارهم، وقد تم مؤخراً انضمام جميع خريجي الدفعة الخامسة من الطلاب والدفعة الأولى من الطالبات والبالغ عددهم 907 من ثانويات التكنولوجيا التطبيقية بمختلف إمارات الدولة إلى الجمعية، كبيان واضح على العمل المنهجي المدروس الذي اختطته الجمعية لنفسها، والذي تبدو جميع خطواته قد تم دراستها بعناية فائقة، وبنظرة مختلفة تتلافى بها كل نقاط ضعف العمل التطوعي. في هذه المرحلة كلنا مسؤول بما يملك من معرفة أو قدرة لخدمة بلده ومجتمعه، ومن تأخر في ذلك، فقد ساهم في تأخر الخير عن بلاده وأهله، والأسوأ من ذلك أن نحاول بخس مثل هذا المبادرات الوضّاءة حقها. فها هي جامعات أميركية عديدة أصبحت تضع العمل التطوعي والخدمة العامة ضمن المواد "الإجبارية"، التي يتحتّم على الطلاب اجتيازها، كما وجد مسح لـ"مشروع جامعة جون هوبكنز المقارن للقطاع غير الربحي"، أنه لو كان المتطوّعون في 36 دولة -أجري عليها المسح -يمثلون دولة لكانت تاسع أكبر دولة من حيث عدد السكان في العالم بتعداد يساوي 140 مليوناً، وبمساهمة اقتصادية "إضافة للدور الاجتماعي" تبلغ قرابة 400 مليار دولار سنوياً. ولنتذكّر دوماً أنّ العمل التطوعي في جوهره هو اتباع لمسلك المؤسسين رحمهم الله تعالى في التعاضد ولم الشمل وجمع الكلمة وتنمية روح المواطنة التي تتجاوز الاعتبارات القبلية والطائفية فهلاّ وقفنا في صفّ إخواننا الذين يعملون بصمت ومن دون مقابل؟