مشاكل السودان أصبحت مدوّلة. فبعد أن أصدر مجلس الأمن قراره ذا الرقم 1556 في 30 يوليو 2004 أقر فيه بأكثرية 13 صوتاً منح حكومة السودان مهلة حتى 30/8/2004. وحينما انتهت المهلة اجتمع مجلس الأمن ثم انفضّ دون أن يتخذ قراراً. وهذا يعني أن حكومة السودان لم تقع تحت سوط وعقوبات القوى الاستعمارية في مجلس الأمن ولا تحت فيتو الدول الخمس الكبرى. ويعني هذا أيضاً أن التقييم متفاوت بين أعضاء مجلس الأمن، أو أنه متناقض. ومنطلق حكومة السودان هو الاتفاقيات الست التي وقعت عليها في نيروبي والتي تضمنت الاتفاقيات الخاصة بجنوبي السودان مع الحركة الشعبية لتحرير السودان بقيادة جون قرنق. وما أن وقعت الحكومة السودانية على إعلان نيروبي في يونيو الماضي حتى اندلعت حركتا تمرد جديدتان في إقليم دارفور قادتهما حتى الآن حركة العدل والمساواة وحركة تحرير السودان. وتبلغ مساحة الإقليم نحو مساحة العراق.
والسودان هو البلد العربي الأكثر اتساعاً (2.5 مليون كلم2) ويسكنه نحو 25 مليون سوداني، وفيه نفط وثروات معدنية متعددة. ويعيش إقليم دارفور تناقضات ستة هي: التناقض الجغرافي بين الشمال والجنوب، والتناقض السلطوي بين المركز والأطراف المهمشة، والتناقض بين الإسلام والديانات الأخرى، والتناقض العنصري بين العنصر العربي والعنصر الإفريقي، وهو جد مهم، والتناقض الثقافي والاجتماعي بين الثقافة العربية الإسلامية والمجتمع العربي والإسلامي والثقافات والمجتمعات القبلية والمسيحية والوثنية، وأخيراً التناقض الاقتصادي بين مناطق الثروة ومناطق الحرمان. فإذا جمعنا هذه التناقضات أمكن تشكيل برميل بارود من القوى البشرية المستعدة للتمرد في أية لحظة وتحت أية قيادة. وهكذا غدا الاتفاق مع تمرد جنوبي السودان نموذجاً يحتذى به بعد أن استطاع العقيد جون قرنق أن يحشد لمصلحة حركته الانفصالية الدعم الأفريقي والإقليمي والدولي إلى جانب وضعه استراتيجية متكاملة، سياسية وعسكرية وثقافية واجتماعية.
إن إقليم دارفور الذي تبلغ مساحته نحو 200 ألف كلم2 سعى بقواه المهمشة إلى الإفادة مما حققه تمرد الجنوب. فبعد سقوط ما يعادل ثلث السودان في قبضة الانفصال (الجنوب السوداني وإبيي والنوبة وجنوبي النيل الأزرق). لا تنوي حكومة السودان أن تكرر في دارفور الظاهرة نفسها في الجنوب السوداني. وبخاصة أن دارفورتحوي احتمالات النفط التي تسيل لها دماء أميركا وأوروبا.
يصدر السودان حالياً من النفط 200 ألف برميل يومياً. وتسعى الحكومة السودانية إلى رفع الإنتاج إلى 250 ألف برميل يومياً، وتشكل مسألة إقليم دارفور بالنسبة إلى حكومة السودان مسألة حياة أو موت سياسي واقتصادي بعد أن أفلت من يدها بعض مصادر دخلها الأساسي من نفط وثروات معدنية. لذلك وجدت حكومة السودان أن أنسب حل لوأد التمرد في مهده هو إجلاء أهله عنه. وهذا ما يفسر المقولات التي رددها أهل اللاجئين حينما سعت حكومة السودان إلى تجنيب سكان الإقليم حروباً هم في غنى عنها. ولهذا نفى وزراء الخارجية العرب في بيانهم الذي أصدروه عقب دورتهم الطارئة في 8/8/2004 ما تردد من أنباء عن أسباب جلاء سكان دارفور وفيه يعترضون على قرار مجلس الأمن الذي يعتمد على أن على الحكومة السودانية أن تسوي مسألة دارفور خلال 30 يوماً.
وفي جميع الأحوال فنحن أمام رغبة جامحة في تدويل قضية دارفور بسبب ما يحويه هذا الإقليم وأراضي السودان بصورة عامة من نفط وثروات معدنية إضافة إلى توجه لدى مجلس الكنائس نحو تقليص حجم الإسلام في مواجهة المسيحية والوثنية اللتين تنتشران في الجنوب السوداني وتواجهان الإسلام بشكل مباشر. لقد آن أوان تشذيب أطراف الوطن العربي - حسب رأي القوى الاستعمارية في العالم -. وها هو السودان يسلّم الطرف الجنوبي منه إلى عملية التشذيب ومنع الإسلام من الدخول إلى إفريقيا. فهل نحن أمام عملية جديدة لتشذيب أطراف الوطن العربي بدءاً من السودان الذي يعاني مشكلة في أحد أقاليمه، وهو إقليم دارفور بعد الجنوب السوداني المؤهل للانفصال أو قيادة حكومة الخرطوم بما يحقق أهداف الإدارة الأميركية الحالية وأهداف مجلس الكنائس وأهداف إسرائيل وأهداف القوى الأميركية والأوروبية الاستعمارية الصناعية. وليس للحكومة السودانية إلا أن تقبل بهذا التحدي وأن تقوم بكامل ما يسد الرياح النافذة من شباك دارفور طالما أن هناك مشكلة تتطلب الحل السوداني وليس الأجنبي عن طريق تدويل المشكلة.