تكشف الهجمات "الإرهابية" التي شهدتها روسيا مؤخرا، عجز السياسات المتشددة، التي تنتهجها حكومة "فلاديمير بوتين" تجاه الشيشان، عن احتواء النزاع الروسي الشيشاني وحله، وجعل روسيا دولة أكثر أمنا. بل على عكس ذلك تماما، فقد أدت تلك السياسات إلى توسيع نطاق النزاع، مما بات يهدد استقرار المناطق المحيطة بالشيشان، في شمال القوقاز. وعلى رغم ذلك، فإنه لم تبدر أية بوادر من جانب "بوتين"، تنم عن اعتزامه تغيير تلك السياسات التي ثبت فشلها، بل لا يبدي "بوتين" إلا المزيد من الاستعداد للمضي قدما في السياسات نفسها. وإذا ظل "بوتين" يؤكد على مدى السنتين الماضيتين، أن الحرب في الشيشان قد انتهت، وأن الأوضاع هناك في طريقها إلى التطبيع، فهاهي الهجمات "الإرهابية" التي وقعت خلال الأشهر القليلة الماضية، تؤكد خلافا لما توهمه الرئيس.
ففي شهر مايو الماضي، كان قد جرى اغتيال الرئيس الشيشاني الموالي لروسيا أحمد قادروف. وفي شهر يونيو الماضي أيضا، أغارت مجموعات من متمردي الشيشان وإنجوشيا على عاصمة إنجوشيا المجاورة، خلال عمل مشترك بين المجموعتين المتمردتين. والمعلوم أن الشيشان وإنجوشيا تشتركان تاريخيا في الثقافة واللغة فيما بينهما. وفي الوقت الذي بدأ فيه "بوتين" الإعداد لتنصيب خلف شيشاني للرئيس المقتول أحمد قادروف، ليؤكد بذلك أن الأمور تسير في الشيشان على نحو عادي وطبيعي، وقعت ثلاث هجمات "إرهابية"، هزت روسيا كلها، لعل أسوأها وأكثرها دموية، حادثة مدرسة "بيسلان" الأخيرة، التي جرى فيها احتجاز ما يزيد على 1200 رهينة، أكثرهم من الأطفال، وانتهت نهاية مفجعة ومأساوية كما تابعنا.
قبل ذلك ببضعة أيام فحسب، كانت قد أسقطت طائرتان روسيتان، لقي فيهما ما يزيد على 90 شخصا مصرعهم، علاوة على تلك المقاتلة الانتحارية التي فجرت نفسها في محطة مترو الأنفاق في العاصمة الروسية موسكو، مؤدية إلى مصرع عشرة أشخاص.
تجب الإشارة إلى أن حادثة مدرسة "بيسلان"، تعد عملا "إرهابيا" غير مسبوق، من حيث عدد ضحاياه الذي تجاوز الـ 326 كحد أدنى، بل وأكثر، جراء اختيار موقع سيىء لتنفيذ عملية "إرهابية"، ألا وهي مدرسة للتلاميذ، تضم أكثر من 1000 طفل داخلها. وقد جاء توقيت هذه العملية، متزامنا مع الإعلان عن نتائج الانتخابات الشيشانية المزورة، في يوم 26 من شهر أغسطس المنصرم. ومع ذلك، فإن اختيار المدرسة هدفا لتنفيذ الهجوم "الإرهابي"، لا يزال غير معروف بعد.
فبالإضافة إلى الرغبة في لفت النظر والانتباه العام، ربما تكون لعملية "بيسلان" وما سبقها من عمليات "إرهابية"، أهداف أبعد من ذلك، أي نشر النزاع وتوسيع نطاقه، بحيث يشمل منطقة شمال القوقاز بأسرها. لذا فإن من المفهوم أن وراء اختيار مدرسة في بيسلان، رغبة في تأجيج نار ذلك النزاع التاريخي بين إنجوشيا وأوسيتيا، مع العلم أن ضحاياه في عام 1992 زاد عددهم على 600 قتيل.
ما من شك أن تصاعد العمليات والهجمات "الإرهابية"، وتوسيع نطاق نزاع الحرب الشيشانية، سوف يثير استياء "فلاديمير بوتين". غير أن السؤال الجوهري لا يزال قائما: لماذا الهجمات الإرهابية؟ فالمعروف عن جمهورية الشيشان، أنها كانت ذات يوم، مسرحا لحروب العصابات التقليدية ضد القوات الروسية، ثم سرعان ما اتخذت تلك الحروب بعدا "إرهابيا". وفي حين سعى "بوتين" إلى تصوير ما يجري في منطقة الشيشان، باعتباره جزءا لا ينفصل عن الحرب الدولية على "الإرهاب"، فإن ذلك المسعى، لم يكن سوى مغالاة في التقدير. صحيح أن المجموعات الشيشانية المقاتلة، تستلهم بعض ما تفعله وتبشر به المجموعات الإسلامية "الإرهابية"، وتتبع التكتيكات والأساليب ذاتها. صحيح كذلك، أن بين صفوف المقاتلين الشيشان، عناصر أجنبية، بعضها عربي إسلامي. غير أن ظاهرة "الإرهاب" الشيشاني، تظل ظاهرة محلية داخلية، نبتت من بذرة بذرت في التربة الروسية نفسها، ولم تأت إليها مصدرة من الخارج.
بل إن من الواجب القول، إن الشيء الوحيد الذي يفسر تزايد عدد وصفوف المقاتلين الشيشان، إنما هو السياسات التي تتبعها حكومة "فلاديمير بوتين" إزاء جمهوريتهم. فقد منح الجيش الروسي المرابط هناك، يداً طليقة وحريات واسعة، يفعل بها ما يشاء بالمواطنين الشيشان. وحتى في الحالات التي يتم فيها ضبط انتهاكات موثقة وغير مشكوك فيها لحقوق الإنسان، من قبل قوات الجيش الروسي، فإن الحكومة المركزية في موسكو لا تحرك ساكنا، ولا تتخذ أي خطوة لصيانة حقوق مواطني الشيشان وحفظ كرامتهم. وفقا للإحصاءات، فإن واحدا بين كل عشرة شيشانيين، جرى قتلهم على يد القوات الروسية، منذ اندلاع الحرب بين الجانبين في عام 1994. وربما أرغم نصف مواطني الشيشان، على الفرار من بيوتهم هربا من جحيم المواجهات والعنف. ضمن ذلك، فقد اقتيد آلاف الشيشانيين إلى ما يشبه معسكرات الاعتقال والتعذيب، حيث جرى تعذيبهم واغتصابهم وتجريدهم من ممتلكاتهم من قبل الجنود الروس، الذين كثيرا ما يكونون تحت تأثير الكحول والمخدرات. وعلى رغم الانتشار الواسع لمثل هذه الانتهاكات