انطلقت التظاهرات الشبابية الاحتجاجية في سوريا منذ سنتين إلا أربعة أشهر تقريباً، لتطرح أسئلة وتثير دهشة متعاظمة ممزوجة بنوع من التفاؤل الحذر. ولعل واحداً من الأسئلة الأولى راح يفرض نفسه على بعض المثقفين والباحثين المتحدرين من فلول الطبقة الوسطى، ويقدم نفسه بشيء من المراوغة أو من القلق، وغيره. أما الصيغة التي ظهر فيها فهي التالية: هل ندع الشباب يتابعون تظاهراتهم، دون تدخّلٍ آخر من باب المساعدة؛ خصوصاً أن أعداداً منهم ظهروا وكأنهم "لم يدخلوا بعد" مرحلة النضج الجيلي والسياسي والثقافي؟ وقد ظهرت أهمية وراهنية هذا السؤال مع تبلور ثلاثية الشعارات التي رفعها أولئك، وهي الحركية والكرامة والعدالة، خصوصاً وأن ذلك أتى متواقتاً تقريباً مع انتفاضات تونس ومصر وليبيا. في سياق ذلك كله، أعلن البعض عن ضرورة إقامة علاقات وثيقة بين الأجيال من الشباب والشيوخ، قبل أن تحدث انحرافات ما في الأحداث. لكن بعضاً آخر خاطب هؤلاء قائلين: بل إن عدم إقحام أنفسكم في ذلك الشأن أي بقاءكم مستقلين إنما هو مساعدة جليلة لأصحابه. لكنْ مع تغوُّل النظام الأمني، يداً بيد مع إشهاره السلاح في وجه الشباب الطامحين إلى تغيير سلمي، راحت صفحات جديدة من الفعل المضاد للثورة تفرض نفسها على الجميع. أما تلك الصفحات فأخذت تتالى، مُحدثةً اضطراباً وقلقاً بل كذلك هلعاً ليس في أوساط الشباب الثائرين فحسب، بل كذلك في أوساط مجموع طبقات المجتمع السوري. لقد برزت الطائفية في ثياب بغيضة تبشر ضمناً وعلناً بضرورة العودة إلى مكوّنات الشعب السوري، "إحتماءً" بها من مخاطر "قد تظهر" في المجتمع المذكور، وتدعَّم ذلك بصراعات راح يلهبها من وضع في حسبانه أجندة تقسيم الوطن السوري، صراعاتٍ عليها أن "تُقنع" السوريين (واللبنانيين، كما اتضح مؤخراً) بأن الدويلات والكانتونات، هي التي تحافظ على حقوق الطوائف. ويداً بيد مع ذلك كله، ظهرت حلول آخرى، منها ماراح يدعو إلى تدخلات في سوريا من قِبل طوائف أخرى مثل الشيعة، وبلدان أخرى مثل روسيا وإيران، لكن مع تخْوين من يدعو إلى تدخلات أجنبية تساعد قوى المعارضة. ومازال المجتمع السوري يعجّ بتلك التظاهرات التقسيمية والتخوينية، إلى درجة أن حالة جديدة راحت تفرض نفسها على معظم السوريين، وهي العودة إلى المرجعيات السياسية النظرية والتاريخية، بهدف تفحّصها في سياق جديد، هو إعادة الإعتبار للفكر السياسي والخطاب السياسي، وذلك بإنتاج توازن بين هذين الأخيرين وبين المهمات العملية الكفاحية وغيرها. ووصل البعض إلى الاعتقاد بأن الاهتمام بالفكر السياسي والخطاب السياسي لا علاقة له بالواقع الميداني المشخص، لأنه يقوم على حالة "سكونية كابحة". وملاحظُ أن هذا الاعتقاد ليس خطأ سياسياً ومعرفياً فحسب، بل هو كذلك خطر على الفعل التغييري ( الثورة أو الانتفاضة أو النهضة الخ)، بل إننا إذ نقود هذا القياس على المسألة الطائفية وعلى تغليب أعمى للنشاط الكفاحي على مادونه من النشاط السياسي النظري، فإننا نكون قد اقترفنا خطأ جسيماً يهدد العمل التغييري نفسه (انتفاضة وثورة مثلاً). على العكس من ذلك، يواجه السوريون الآن ضرورة إنتاج أجندة جديدة تكون لهم بمثابة عقلانية ضابطة للنموذج الحيّ المطلوب لإيصال الحركة التاريخية الجديدة في سوريا كما في العالم العربي عموماً إلى أهدافها. وهذه العقلانية الضابطة تقوم على جدلية المكافح مفكِّراً والمفكر مكافحاً. أما أولئك الذين يلهثون وراء "النشاط المسلح" أساساً، فإنهم يكونون ضحية قصور سياسي معرفي؛ وهؤلاء غالباً هم الذين يقترفون أخطاءً كبرى، خصوصاً في مراحل انتقالية من حقل سياسي ثقافي إلى حقل آخر. وما ينبغي التركيز عليه أخيراً هو عدم الوقوع في ما كان يُطلق عليه مثلاً الطفولية الكفاحية وغيرها.