انتهى في لندن مسلسل قضائي طويل، دام بين ثمانية وأربعة عشر عاماً بحسب المعتقلين المعنيين، وهم خمسة قضت المحكمة العليا بتسليمهم إلى القضاء الأميركي لمحاكمتهم في قضايا تتعلق بشكل مباشر أو غير مباشر بأعمال إرهابية، ثلاثة منهم عرب واثنان باكستانيان، أربعة يحملون الجنسية البريطانية، وأكثر شهرة "أبو حمزة المصري" الذي جعلت منه وسائل الإعلام نجماً سلبياً يدلي بآرائه ويقوم باستعراضات كما لو أنه مكلف تحديداً بـ"الإساءة إلى الإسلام" - وفقاً للقضية الساخنة حالياً- وأيضاً بتشويه صورة المسلمين أقله في بريطانيا. في أحد فصول هذا المسلسل، رأينا حتى الملكة إليزابيث الثانية تُقحم رغماً عنها، وخلافاً للتقاليد، إذ تركت نفسها لعفوية التعبير عن ضيفتها من السيد "أبوحمزة" الذي كان فَقَدَ يديه خلال تدريب على التفجير في أفغانستان، فاستعاض عنهما بمخلبين حديدين كان يتقصد رفعهما أمام الكاميرات ليبدو كأنه من شخوص أحد أفلام الرعب، اضطرت مؤسسة عريقة مثل الـ"بي. بي. سي" للاعتذار للملكة بعدما نقل أحد صحافييها كلاماً سمعه منها مباشرة وكان يفترض أن يحتفظ به لنفسه. غير أن الفصل الأهم والأخطر لم يكن مرتبطاً بالسجناء ولا حتى بالاتهامات الموجهة إليهم أميركياً، وإنما بصورة "العدالة البريطانية" التي تكره عموماً البحث في تسليم معتقلين إلى أي دولة، حتى لو كانت الولايات المتحدة، فأي محاكمة يمكن أن تتم في بريطانيا نفسها، لكن الأميركيين حاججوا بأن الاتهامات تتعلق إما بجرائم حصلت في أميركا، أو بملف هجمات 11 سبتمبر 2001، أو بمقتل أميركيين في الخارج، أي أن لوثة الإرهاب والقوانين أو التعديلات المنبثقة منها فرضت "استثناءات" على الممارسات القضائية السيادية، وطبعاً امتد الجدل إلى "الأساليب الفظة" التي اشتهر بها نظام الاعتقال الأميركي، والمعتقلون الخمسة خاضوا معركة قضائية شرسة مستندة إلى هذه السمعة السيئة. وطوال الأسابيع الماضية اشتبكت الآراء في محاولة للإجابة عن السؤال: هل الأمر يتعلق بـ"إصلاح" سمعة المحققين الأميركيين، أم بـ"التخلص" من الصراع الذي يسببه هؤلاء المعتلقون لبريطانيا؟ إنه يتعلق خصوصاً بالحفاظ على "العدالة البريطانية للبريطانيين" كما هي الأميركية للأميركيين، يقول البعض. ويجيب البعض الآخر متسائلاً: لماذا لا تكون بيننا وبين الأميركيين اتفاقات لضمان "عدم التعذيب" على غرار ما نحاول أن نفعل مع الأردن بالنسبة إلى "أبو قتادة"؟ في النهاية قرر القاضيان إجازة تسليمهم بناء على ما وصفاه بـ"مصلحة عامة قوية"، كان محامو المعتقلين لجأوا إلى محكمة حقوق الإنسان الأوروبية، التي طالما عطلّت أحكاماً بنقل سجناء، إلا أنها خذلتهم، وبذلك عادت الكرة إلى القضاء البريطاني الذي طلب نقلهم في "أسرع وقت ممكن"، لم تمضِ ساعات حتى كانوا في نيويورك ينتقلون من يد إلى يد، بدت وزيرة الداخلية كمن يتنفس الصعداء بعد قرار المحكمة، إذ كانت النقطة القوية التي دفعت بها أمام القضاة أن هؤلاء لم يرتكبوا جرائم محددة على الأرض البريطانية وإنما تعاونوا أو كانوا صلة وصل في تدبير وتسهيل أعمال إرهابية في الخارج، وبالتالي هناك منطق ما يبرر تسفيرهم، في إطار التعاون الأمني مع الولايات المتحدة، صحيح أن القضاء لم يأخذ بواقع أنهم من أصول غير بريطانية، لكن الإعلام اليميني المحافظ لعب دوراً في إبراز هذا المعطى لتطهير "المصلحة العامة" في التخلص منهم، وأيضاً من الكلفة الباهظة التي تترتب عن قضيتهم. ليس متوقعاً أن يحصل القضاء الأميركي على إضافات جوهرية إلى ما يعرفه عن القضايا التي يلاحق هؤلاء الخمسة بشأنها، والأكيد أنه وجه الأسئلة العاجلة لديه عبر السلطات البريطانية للتثبت من بعض الوقائع، و"أبوحمزة" مشتبه بالاتصال مع شخص في سياتل لإقامة معسكر تدريب في أوريغون، وكذلك بالمشاركة في خطف ستة عشر سائحاً بينهم أميركيان في اليمن عام 1998. أما السعودي خالد فواز ورفيقه المصري عادل عبدالباري فمرتبطان بملف اسمه "أسامة بن لادن" وبالأخص في تفجير السفارتين الأميركيتين في أفريقيا عام 1998، في حين أن الآخرين بابار أحمد وسيد طلحة إحسان فمشتبهان لعلاقتهما بموقع إلكتروني استخدم لاستقطاب مقاتلين إلى أفغانستان والشيشان، فضلاً عن جمع الأموال والبحث عن معدات. لاشك أن ثمة مصلحة عامة عربية وإسلامية في أن يكون هؤلاء وأشباههم وراء القضبان، في أي مكان، إذ كانوا مشاركين في حقبة قاتمة ألحقت الكثير من الأذى ببلدان وشعوب عربية وإسلامية، بمقدار ما ساهمت في توتير علاقة المسلمين المهاجرين بالمجتمعات التي يعيشون فيها، تلك مجرد واقعة لابد أن توجه الأنظار أيضاً إلى أن ما ارتكبه من مخالفات مشينة باسم "مكافحة الإرهاب"، وأظهرت التجربة أنها أدت إلى نتائج عكسية تماماً.