رغم أن عدداً كبيراً من سكان أفريقيا من المسلمين، كما أن الثقافة العربية الإسلامية تشكل نسبة كبيرة أيضاً من تراثها الشفاهي والمكتوب، إلا أن الدول العربية تعتبر سيئة الحظ في علاقاتها "الإسلامية " بالمجموعة الأفريقية منذ عدة قرون. ونحن لا نستطيع أن نقول إنها كانت دائماً سيئة الحظ، لأن ثمة فترة تعاون مشترك في مقاومة الاستعمار، وأخرى في عملية التحرر الوطني خلال مرحلة الاستقلال الأولى. من هنا تبدو مسؤولية العرب أنفسهم واضحة عن "سوء إدارة " أو سوء سمعة الخطاب السياسي لهذه العلاقات في فترات كانت تتيح الازدهار، مثل فترة ازدهار البترودولار في السبعينيات ونسبياً في الثمانينيات، كما شهد بعضها نظماً ذات ثقل تحمل الشعارات "الإسلامية" مثل السودان ثم مصر في ظل الحكم القائم (2012) ....في الفترة الأولى ظننا أن البترو دولار العربي سيكسب الكثير من إطار التعاون العربي الأفريقي الذي ارتبط بالأزمة الاقتصادية الناشئة من ارتفاع أسعار البترول، والأسعار العالمية عموماً. وانفقت الدول "العربية الإسلامية" الكثير بالفعل في مساحات من بلدان أفريقيا وآسيا... وفوجئنا أن موجات نقدية تسود على الساحة الأفريقية، يبرز خلالها من الوقائع ما يشير إلى أن معظم الإنفاق"العربي" يصرف في "الفضاءات الإسلامية" بالنسبة الأكبر منه أو أغلبه على الأقل وأن رأس المال العربي لايتجه لمشروعات تنموية عامة أو مشتركة، أو يتعامل على أساس "سياسة أفريقية " جامعة وإنما يتجه إلى بلاد الساحل والصحراء الإسلامية بالأساس. وكان هذا التخصيص واضحاً أمام المراقبين، وفي الأرقام المنشورة وبمقارنات بين حالات الانتماء الإسلامي وخارجه، في كثير من دول الغرب الأفريقي خاصة. وسرعان ما أكمل "القائد" معمر القذافي الراحل تلك الصورة بأشكال مختلفة من الارتباك، ضد العرب وضد الإسلام على السواء". أما سياسة "الإنقاذ السودانية"، فقد ارتبطت بصعوبات حل أزمتها في الجنوب، ولنتجاوز مؤقتاً ظروف حرب في جنوب السودان نتيجة طبيعة الصراع، ولكن دعنا نقرأ الشعارات السياسية لهذه الحرب كنماذج لسوء الخطاب. فهي أمام حركة تحرر في الجنوب ...الخ لا تتحدث إلا عن "الجهاد" و"الاستشهاد" و"الصحوة الإسلامية" في قتال يجري حول الوحدة الوطنية ومشاكل الانفصال. وهنا لعب هذا الخطاب دوراً مثيراً في دوائر أفريقية عديدة فقد السودان تعاطفه دون مبرر، لأن هذه الدول قبلت "وحدة إثيوبيا" ضد نضال الأريتريين لمدة طويلة، حتى فرضت حركة التحرر نفسها وحققت الاستقلال. نقول ذلك لأن "الخطاب السياسي" يتخذ أهمية كبيرة في هذا العصر، بسبب قوة الإعلام ووسائل الاتصال والتأثير، ويتوجب الانتباه له عند إعداده، لأن عدم الانتباه نفسه يعتبر بدوره جزءاً من الخطاب! هذا ما يواجهه الباحث أو القارئ الآن عندما يراجع الأسس النظرية للخطاب السياسي المصري في عهد الرئيس مرسي صادراً عن "مشروع النهضة"، الذي يطرحه باسم "الإخوان المسلمين" منذ معركته نحو مقعد الرئاسة، ويخصنا فيه هنا توجهاته في السياسة الخارجية، وعلى الأخص السياسة المصرية تجاه أفريقيا. ويلفت هذا المقال إلى مسألة "الخطاب السياسي وما يعنيه من تعبير عن مضمون الحكم ". ولست هنا بصدد تفاصيل السياسة الجارية التي تحتاج لمعالجة مختلفة. فالخطاب السياسي في هذه الوثيقة المعتمدة للحكم في أكثر من سبعين صفحة، وبالطبع يحفظه التنفيذيون، وهو تدرسه مراكز البحوث وأجهزة الإعلام، وتطمئن أو تقلق هذه الدائرة أو تلك من مضمونه، وتراقب السياسة اليومية على أساسه...وهذا ما يفعله الأفريقيون وغير الأفريقيين. وقد قلقنا بسرعة أكثر في مصر، على مصالحنا مثلاً مع إثيوبيا (المسيحية في نظر الكثيرين) عندما بدأ خطاب الرئاسة المصرية يتحدث عن منطلقات السياسة الخارجية. ورغم أن الخطاب تغير إلى حد ما في المناسبات العامة التالية لتولي السلطة، فإن الكثيرين سيظلون يرقبون مدى الالتزام، أو المخالفة والتناقض مع هذا الخطاب المؤسسي، ومن ثم علينا أن نناقش إذن ما إذا كنا أمام "دولة دينية" تصنع سياسة ملتزمة ومؤطرة، أم دولة وطنية حديثة تعالج قضاياها التقليدية، وفق القواعد العامة للسياسة الدولية؟ الخطاب التأسيسي في "مشروع النهضة" بالنسبة للعالم الخارجي، يبدو متجاهلاً لعناصر كثيرة في هذا العالم، سواء كان خاصاً بأفريقيا، أو مساحة وتطلعات بلدان الجنوب تجاه مراكز العولمة، أو حقيقة وعائد تعاونه في أطره القريبة من منطلقاته النظرية تلك. فهو ينطلق من "الفهم الوسطي الشامل للشريعة الإسلامية ....والتطبيق الصحيح لها... الخ"، وعند السياسة الخارجية، لا تتحدد مع الهوية الإسلامية أين مكانة "العروبة " و"الأفريقانية" بالضبط، لأنه سرعان ما يعود لذكر "الريادة الخارجية"، التي يعلن ضمنها "استعادة الوطن"، وإعادة تشكيل الأمة! وهنا تكمن المخاوف عن شمولية البرنامج الإسلامي وحده في دوائر داخلية وخارجية، تتطلب انفتاحاً على الآخر، ولا تتوقف عند مفاهيم "الأمة الإسلامية"، الإقصائية أو المعزولة عبر مفاهيم للأممية الإسلامية لاتخفى على مراقب لحركة الإخوان المسلمين وجماعتهم "العالمية ". ثمة تساؤلات يستحضرها الأفارقة – ونحن معهم- عند معرفتهم بهذه المعلومات والتحليلات حول مفهوم "السياسة الإسلامية " ...وكيف سينطبق ذلك على أفريقيا هذه المرة! هل ثمة أموال – هذه المرة !- ستغدق على الدول الإسلامية دون غيرها؟ صحيح أن البرنامج الإخواني يعطى أولوية بارزة لـ"منظمة المؤتمر الإسلامي" – وهي ليست بهذا الثقل في السياسة الإقليمية أو العالمية، كما يعطي الأولوية الأخرى لمجلس التعاون الخليجي، وإصلاح الجامعة العربية، وهو من دون نفوذ يذكر فيها لكنه يفعل ذلك قبل أي تأكيد على الدائرة العربية والأفريقية كدوائر سياسية فعالة ثم يذهب بعيداً إلى ماليزيا مرة ثم إلى تركيا مرة أخرى، وكأنهما "الكتلة الإسلامية العالمية"، وليستا مجرد نمور آسيوية مدعومة بسياسات عالمية معنية! مثل هذا الخطاب هو الذي أقلق المراقبين والباحثين من توجه قوة النظام المصري لدائرة "سياسية إسلامية "، ليست ذات حضور نظري أو واقعي في عالم صنع السياسات الجارية الآن. لا في دول تتصف بالإسلامية الفعلية" ولا بين الكتل الإقليمية. وانكشاف السياسة الخارجية بهذا الشكل وسرعة إظهار تناقضها مع منطلقاتها يثير المخاوف والقلق وليس الاطمئنان في دائرة مثل الأفريقية على وجه الخصوص. وقد تصور البعض أن السياسة الإسلامية هذه ستذهب بمصر إلى الصومال لمشاركة حقيقية في برنامج - مع دول عربية إسلامية – لتخليصها من النفوذ الإثيوبي- الكيني الذي يمضي سهلاً في بلد عربي إسلامي، في منطقة خطيرة بمدخل البحر الأحمر والمحيط الهندي ...وهذا لم يحدث! وتخيل البعض أن "السياسة الإسلامية" ستمضي بسرعة لبحث وحل مشكلة جمهورية مالي (أكثر من 90 في المئة من المسلمين، ليشاركوا في حل مشكلة الطوارق، ورغبتهم في الانفصال، أو إنقاذ عاصمة الثقافة الإسلامية والعربية في قلب الصحراء الأفريقية وهي تومبوكتو، وهذا لم يحدث! لكن هناك تحركات سريعة في مناطق تفرض نفسها بالضرورة غرباً وشرقاً يجري تقييم نتائجها. إذن لابد أن نعي في تقديري مدى الوضوح في طرح القضايا الأساسية، وتوجيه الخطاب-والعمل- السياسىي حفاظاً على مصالح دولة بحجم مصر وليس ضبابية النصوص الخطابية. سياسياً ليس هناك كتلة باسم "العالم الإسلامي"، وإنْ وجدت الثقافة الإسلامية، وليس هناك سياسة إسلامية حتى عند أكثر الدول المتطرفة أو المحافظة إسلامياً، هناك سياسات لدول حديثه ذات مصالح محافظة أو استقلالية في دائرة أو أخرى، وإقليم أو آخر، وفي حضن التبعية المعولمة أو خارجها.