في سياق عولمة الثقافة والحديث عن الإنسان العالمي، لا تزال الحياة الثقافية الإماراتية أسيرة نمط معين تغلب عليه الرتابة والتقليدية. وربما هذا ما أدى إلى ابتعاد الجمهور عن المشهد الثقافي لضعف المردود، وربما بعده عن واقع المكان والزمان الذي ينتمي إليه المواطن الإماراتي أو العربي المقيم بالدولة في عصر ما بعد الحداثة، فكان ضعف مساهمة الفن والأدب والثقافة في وضع حلول جذرية لمشكلة التطرف والراديكالية والتحزب في الفعل والقول والتفكير، والتي تقود بدورها إلى الإرهاب والعنف السياسي، واضحاً للعيان على الرغم من تشجيع ودعم منقطع النظير من الدولة للفن والفنون والثقافة والأدب بصورة عامة. ولكننا في واقع الأمر، لم نحقق أي نوع من التفرد والتميز المؤثر في سير الحياة اليومية، وفي فكر وشعور المواطن الإماراتي والمقيم في الدولة. فلم نجد مسرح كبار ولا أطفال يقاوم التطرف والإرهاب، ولا أفلام ومسلسلات ودراما حقيقية تنبذ الفرقة والتحزب، وجفت الأقلام إلا من قلة رافضة المساومة في الفكر باسم حرية الرأي، فلا كتاب ولا رواية إماراتية تتحدث عن تاريخ وقوف الشعب صفاً واحداً خلف القيادة، ولا بحوث ودراسات تُنشر لتعري الأفكار التحزبية الدخيلة على مجتمعنا، أو تجرم التحزب باسم الدين أو غيره. واستمرر الخلل، الذي ظل منذ سنوات طويلة يعتري نظام الاتصال والتفاعل بين الأدباء والمبدعين والفنانين والشارع الإماراتي من جهة، وبين نظرائهم العالميين من جهة أخرى. والمقصود هنا الفن والأدب الراقي المفعم بمسحة إنسانية عالية تجسد البعد التسامحي الداعي إلى احترام الآخر واحترام الديانات والفكر والثقافات المختلفة، واعتبار التنوع والاختلاف غير الإقصائي، أهم ركيزة لبناء ثقافة عالمية لشعوب متعطشة لقيم إنسانية عليا ورموز وقامات أدبية وفنية عابرة للقارات، لا تعيش في برج عاجي بعيداً عن الجمهور. رموز تطرح وتناقش وتنتج ما ينفع البشرية والصالح العام للإنسان في ظل هيمنة مما تم إنتاجه وترجمته والتعليق عليه من أفكار وكتب وأفلام وبرامج في الثمانين سنة الأخيرة من عمر الأمة العربية في صنع الشخصية العربية، وبروز التحزبات والانتماءات المختلفة على إثر ذلك الموروث والمنتج، بغض النظر عن اختلافنا أو اتفاقنا مع مضمونه، فقُدرة الأيديولوجيا تكمن في قدرتها على الإحاطة بالحقائق الاجتماعية وصياغتها صياغة جديدة. وإن السؤال الذي يطرح على أية أيديولوجية هو مدى فعاليتها في رسم صورة للواقع الاجتماعي وتقديم خريطة له، وأن تكون محوراً لخلق الوعي الجمعي؟ معظم تلك الأيديولوجيات والمدارس الفكرية نخبوية أو فئوية أو تؤمن بها أقلية، فتصبح محور هدم في قلب أي دولة أو نظام، لأنها ترى بأنها تملك في طياتها التنوير الكلي والحلول السحرية لمشاكل المجتمعات، ما نتج عنه فجوة كبيرة بين جيل الشباب الحالي والأجيال التي سبقته على الصعيد الفكري والانتمائي. فجيل الشباب لا ينتمي إلا إلى عصره وفق الأغلبية، وتبنيهم معايير الثقافة الغربية في كثير من الأوقات، احتجاج علني على فشل الأيديولوجيات في إقناعهم، وصولاً إلى امتثالية لنمط الحياة المرغوب أميركياً كان أو غيره، وغداً صينياً أو هندياً أو برازيلياً أو روسياً، لتظل الكثير من الأمم في العالم خاضعة للتبعية إلى ما شاء الله. ولا أرى في الأفق تغييراً سوف يحدث على ذلك في الخمسين سنة القادمة في خُضم تحدي البقاء والتعايش، وأخيراً الذوبان والاندماج كحتمية تاريخية للأمم الضعيفة، مثل ما حدث لحضارات الهنود الحمر في الأميركتين أو السكان الأصليين لأستراليا، فإما أن نكون شعباً منتجاً للمعرفة وليس مستهلكاً لها فقط، وإلا علينا أن نواجه زلزال نضوب الموارد أو الصراع عليها يوماً ما، لنعجز حتى عن استهلاك المعرفة، وبالتالي الخضوع للاستعمار المعرفي، وهو استعمار ذكي كالمدن الذكية إنْ صح التعبير، سيحل محل الاستعمار العسكري والاقتصادي. وإذا ما نظرنا للوتيرة التي تسير عليها الأمور في الوقت الراهن، سنجد جهوداً هائلة مبذولة من قياداتنا في الإمارات، وهم يسابقون الزمن لتثبيت وتعزيز وجود الأجيال القادمة بين الدول الريادية من خلال مشاريع هي في واقع الأمر ضرورة قصوى للأمن القومي وحزام الأمان الوحيد في صراع البقاء والنهوض بالأجيال القادمة. فمن نهضة عمرانية وبنية تحتية عالمية، إلى استقرار أمني واقتصادي، إلى ضمان اجتماعي وصحي وتعليمي، إلى تملك أكبر صندوق استثماري سيادي في العالم، إلى أن أصبحنا أول وجهة سياحية في الشرق الأوسط وأفريقيا، إلى مشاريع الطاقة النووية السلمية، إلى المدن المستدامة وتخزين الطاقة الشمسية والنظر في تقنية النانو، الخ .. نحن في أيدٍ أمينة بالنتائج والمخرجات على أرض الواقع في ظل قيادة استشرافية عصرية تتميز في تحقيق متطلبات هذا العصر دون أن تغفل هويتها، والعمل بعقلانية لمواجهة ما هو قادم من تحديات. ومن جهة أخرى، تعمل على إحداث عملية الإحلال الإيجابي في الدولة للفكر والثقافة والأدب والفن ليعكس احتياجات المجتمع، ويكون عنصراً فعالاً في بناء الأمن المجتمعي والأمن الفكري والأمن المعرفي، فإن وجود استراتيجية طموحة لدعم منظومة الأمن المجتمعي، ضرورة ملحة للحماية والحفاظ على الأجيال الحالية وتأمين إمكانيات ومقدرات أمن الأجيال القادمة. وفي زمن العولمة، أصبح الإعلام الأداة الأقوى في حياة الشعوب لصناعة القيم والرموز، وحتى الاتجاهات وبلورة الأنماط السلوكية. وإذا أخذ بعين الاعتبار ما اعترى مؤسسات صناعة القيم في الوطن العربي، (الأسرة والمدرسة ومكونات الأدب والفكر والثقافة والفن الراقي ووسائل الإعلام المختلفة) من خلل، أضف إلى ذلك، فهم وتفسير وتأويل النصوص الدينية، فإن المخاطر التي تتعرض لها الخصوصية الثقافية الإماراتية تصبح أكثر وضوحاً وعمقاً. وعطفاً على ما سبق، أرى أن استخدام الثقافة والأدب، واحداً من المقدمات المنطقية لتكريس ثقافة الاعتدال والتسامح للحفاظ على مكتسباتنا كدولة، والحصول على الموارد الأولية اللازمة لإعادة هندسة بناء المجتمع ليصبح مجتمعاً يتفاعل مع المستقبل، وذلك من خلال القراءة الصحيحة لما هو قادم، والقيام بإجراءات احترازية بدل من الاعتماد على ردود الأفعال لمنع تكرس الانغلاق والرؤى الظلامية لمن يريد أن يجعلنا نسخة له، ليُسيرنا نحو تأميم المجتمع المدني مع تخطيطه في الخفاء لفرض الإقامة الفكرية والمذهبية الجبرية علينا باسم تسيس الدين، وطمس هويتنا الانفتاحية المحبة لكل البشر والمتعايشة مع كل المعتقدات والمذاهب.