هناك أسئلة عديدة في منطقتنا العربية تسيل الكثير من المداد وهي في معظمها تتعلق بأنظمة الحكم وبالحكومات الإسلامية الجديدة وهل بإمكانها مسايرة أبجديات النظام السياسي الديمقراطي تنظيراً وتطبيقاً، ناهيك عن المأزق السوري والأسئلة التي تطوف في كل من طهران وأنقرة والقاهرة وموسكو على سبيل المثال. في ملتقى متميز شاركت فيه بأبوظبي بدعوة من مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية وبحضور عدد من المتخصصين من أميركا وزملاء عرب، طلب مني الحديث عن عقليات الحكم في دول المغرب العربي الثلاث المغرب، الجزائر وتونس... وطبعاً لا يمكن الإجابة على هذا السؤال بدون استحضار الجانب التاريخي الذي أنشأ أسس الحكم في دول المغرب العربي لتفسير ما يقع اليوم ولإعطاء بعض التصورات للمستقبل المنشود، وهذا الاستحضار التاريخي السياسي يمكننا من فهم أسباب قيام الثورة في تونس ونوعية المجال السياسي في الجزائر والطابع الاستثنائي في المغرب. - بالنسبة للجزائر وغداة استقلالها سنة 1962 باتت الشرعية الثورية أساس الحكم، وظل الجيش الضامن والسند الأساسي لها والممارس الفعلي للحكم إلى حدود نهاية ثمانينيات القرن الماضي حيث جاء دستور 1989 لتكريس الفصل بين الحزب والدولة وإلغاء احتكار جبهة التحرير لعمليات الترشيح في الانتخابات، ولكن مع الانتخابات التشريعية حصلت الجبهة الإسلامية على أغلبية الأصوات، فدخلت البلاد في فوضى سياسية عارمة تعدت العشر سنوات. - بالنسبة لتونس، في عهدي بورقيبة وبن علي كانت التجربة فاقدة لأي نوع من أنواع الميثاق السياسي التعاقدي بسبب قوة وهيمنة الحزب الحاكم، حزب التجمع الدستوري الديمقراطي، وكون رئيس الدولة هو المسؤول الأول عن الحزب، حيث جعلته يهيمن على الفضاء السياسي، ومن ثم كانت هيمنة الدولة على المجتمع السياسي برمته وما تبع ذلك من تكميم لأفواه المعارضة والزج بها في غياهب السجون، ومن ثم تمأسست الثنائية الشهيرة "الحزب- الدولة"، إلى أن حصلت ثورة الياسمين التي خسفت بالنظام وأهله. - المغرب هو الدولة المغاربية الوحيدة التي منعت منذ الاستقلال نظام الحزب الواحد ولم ينتم عاهل البلاد إلى أي حزب سياسي لأن ذلك كان سيخالف محددات الشرعية القائمة في هذا البلد والمبنية على رباط تاريخي بين العاهل والشعب يعبر عنه في احتفال البيعة الذي تقيمه الأمة/ الجماعة بكل مكوناتها إضافة إلى سلالته الشريفة، وهذان العاملان يعطيان لملك المغرب شرعية تاريخانية ومؤسساتية دينية تنزهه عن الصراعات والتحزبات التي يمكن أن تعرفها الأمة/ الجماعة. صحيح أن التعدد السياسي منذ استقلال المغرب كان تحت المراقبة، ولكن محددات السياسة في المغرب سمحت للمعارضة بالعمل السياسي والجرأة السياسية حيث توالت المطالب بالإصلاحات الدستورية والسياسية عبر مذكرات رفعت إلى الملك في سنوات 1991 و1992 و1996 صاحبتها تعديلات دستورية لسنوات بين 1992 و1996 وهذا ما سمح بوصول المعارضة التاريخية إلى الوزارة الأولى سنة 1998 في شخص الاشتراكي عبدالرحمن اليوسفي، فكانت بداية تجسيد لبـِنات الميثاق التعاقدي في المغرب. ولكن على رغم هذه الثورة السياسية الهادئة أو الناعمة إلا أنها لم تمكن الفاعلين السياسيين من توسعة أفقها إلى درجة "الانتقال الميثاقي" النهائي، ومع الموجات الربيعية ووجود أرضية متجذرة للتفاهم وهو الميثاق التعاقدي، استطاعت التجربة المغربية أن تمر بسلام إلى دستورانية سميتها في حينها بدستور الجيل الرابع، أدخلت المغرب إلى مدرسة الدول الديمقراطية المعروفة بـ"الانتقال الميثاقي" ولكن خلافاً لأدبيات الانتقالات الديمقراطية المعروفة في العلوم السياسية المقارنة فإن التجاوب والتنازلات الملكية، كانت انطلاقاً من انتظارات الشباب وليس انطلاقاً من مطالب الأحزاب، وإن كان الميثاق التعاقدي لا يمكن أن يوقع إلا بين الأطراف السياسية أي بين الملكية والأحزاب السياسية المدعوة إلى قيادة التغيير، ولو أنها وجدت نفسها تركب بغتة قطار التغيير بصفة مفاجئة وبدون استعداد. ثم هناك اليوم "ربيع إسلامي" في بعض الدول العربية ويتساءل الجميع عن علاقة ذلك بالمجال السياسي الديمقراطي وتداعياته. المطلوب في هذه المرحلة هو نضج كل الفاعلين السياسيين ومن ضمنهم الأحزاب الإسلامية والابتعاد عن استعمال الدين في الصراع على السلطة، لأن استعماله تجارة سياسية، ويشكل ذلك خطراً على الدين وخطراً على السياسة وخطراً على المجتمع، المشكلة عند المسلمين اليوم ليست في عدم تطبيق الشريعة ولكن الذي ينقصنا هو كيفية إدارة الشأن العام وإصلاحه. المطلوب الآن في مصر وتونس وغيرهما من البلدان عند الحاكم والمحكوم هو فهم معادلة "الناخب = دافع الضرائب" بمعنى أن الاقتصاد هو القاعدة التي تحسم التصويت (وليس الدين أو الشعارات الزائفة)، ويتبعه كما هو شأن الديمقراطيات الناضجة، التعليم، فالصحة، فالأمن، فالمواصلات، ويأتي الإسكان والتوظيف في آخر المحطة، وما دام العديد من الدول العربية متخلفاً تعليمياً، فالتعليم والاقتصاد هما طرفا معادلة البقاء في القرن الحادي والعشرين. لقد كتبت وزيرة الخارجية الأميركية السابقة كوندوليزا رايس في مذكراتها الأخيرة التي نشرت بعنوان "أسمى مراتب الشرف: ذكريات سنواتي في واشنطن" أن هناك بوناً بين عناوين الصحف اليوم وحكم التاريخ... وأظن أن التاريخ سيكون منصفاً للأحزاب الإسلامية إذا ابتعدت عن الزج بالدين في السياسة واشتغلت بأولويات المرحلة.