في أول كلمة ألقاها بعد فوزه بالانتخابات، أكد زعيم المعارضة الجورجية "بيدزينا إيفانيشفيلي" أولوية الشأن الاقتصادي والتنموي بالنسبة للحكومة القادمة التي يُتوقع أن يترأّسها، وقال إنه يسعى لتحقيق النهضة الاقتصادية للبلاد ولتوفير فرص عمل جديدة للشعب الجورجي. كما نقلت عنه وكالة "نوفوستي" الجورجية للأنباء قوله إن أول زيارة خارجية له ستكون إلى الولايات المتحدة، وإنه سيعود منها مباشرة دون أن يزور أية دول غربية أخرى. وكان قد أُعلن رسمياً في العاصمة الجورجية تبليسي، الأربعاء الماضي، فوز تحالف "الحلم الجورجي" المعارض الذي يتزعمه إيفانيشفيلي بالانتخابات البرلمانية، إذ أظهرت النتائج المعلنة حصوله على نسبة 53?19 في المئة من الأصوات، بينما حصل حزب "الحركة الوطنية الموحدة" الحاكم بزعامة الرئيس ساكاشفيلي على 41?57 في المئة. وقد جرت الانتخابات العامة الجورجية في الثلاثين من سبتمبر المنصرم، ودُعي للتصويت فيها 3?6 مليون ناخب مسجل، تنافست على أصواتهم ثمانية أحزاب، خاضت حملاتها الدعائية حول قضايا الاقتصاد، والبطالة، وعضوية "الناتو" الاتحاد الأوروبي، والعلاقات مع الغرب وروسيا. ونالت هذه الانتخابات ثناءً كبيراً من الأوروبيين والأميركيين الذين اعتبروها علامة فارقة في التطور الديمقراطي لجورجيا، وحدثاً لا سابق له في جمهورية سوفييتية سابقة باستثناء دول البلطيق. وأهمية هذه الانتخابات تأتي من كون البرلمان الجديد سيناط به إقرار تعديلات دستورية تُعزز صلاحيات السلطة التشريعية وسلطة رئيس الوزراء وتُقلص دور رئيس الجمهورية اعتباراً من العام المقبل. وفيما يخص زعيم تحالف "الحلم الجورجي" الفائز، بيدزينا إيفانيشفيلي، فهو سياسي ورجل أعمال في العقد السادس من عمره. لم يدخل العمل السياسي والحزبي إلا منذ فترة قريبة جداً، حيث أعلن في أبريل الماضي تأسيس "حزب جورجيا الديمقراطية" بهدف معارضة "حزب الحركة القومية المتحدة" الحاكم، ثم شكل تحالف "الحلم الجورجي" مع خمسة أحزاب أخرى. ولم يكن إيفانيشفيلي معروفاً على نطاق واسع لدى الرأي العام الجورجي، بل إن غموضاً يلف قصة انتقاله من القاع إلى أن أصبح أغنى رجل في جورجيا، حيث يحتل حالياً الترتيب 153 على قائمة مجلة "فوربس" لأغنى أثرياء العالم بثروة تصل 8?4 مليار دولار. وقد ولد بيدزينا إيفانيشفيلي لعائلة فقيرة في قرية جورفيلا الجورجية عام 1956، وكان أصغر خمسة أشقاء لدى والدهم العامل في مصنع للمنجنيز. وبعد ما أنهى دراسته الثانوية، التحق بجامعة تبليسي لدراسة الاقتصاد والهندسة، ثم توجه إلى روسيا في عام 1982 للحصول على شهادة الدكتوراه من جامعة موسكو الحكومية. وهناك بدأ رحلته في جمع المال، حيث أخذ يوثق صلته بـ"فيتال مالكين"، رجل الأعمال الروسي الذي أثرى من خلال الاستحواذ على شركات مفلسفة تمت خصخصتها عقب انهيار الاتحاد السوفييتي وتحوُّل روسيا من الاشتراكية نحو نظام السوق في عهد يلسين. وأفاد إيفانيشفيلي من شراكته مع "مالكين"، حيث أسسا في عام 1990 شركة لبيع الحواسيب، وعملا في توريد الهواتف ذات الزر المتحرك، وأسسا بنك "روسيكي للائتمان" الذي انفرد به إيفانيشفيلي فيما بعد وأصبح من أهم شركاته. وكما تقول "فوربس"، فإن المصدرين الأساسيين لثروة إيفانيشفيلي هما قطاعا الصرافة والصناعة التعدينية، حيث قام ببيع شركات استحوذ عليها أثناء فترة الخصخصة في روسيا، واستفاد من عائدات الاستثمار في البورصة الروسية، وهو يملك استثمارات في الفنادق (منها فندق "لوكس")، وفي تجارة الدواء (سلسلة متاجر "دكتور ستولتوف" الروسية). وقد ظلت شهرة إيفانيشفيلي في جورجيا أقل منها في روسيا وفي الغرب حيث كان طوال السنوات الماضية معروفاً باسم "بوريس"، ولم يعد لاستخدام اسمه الأصلي (الجورجي)، وهو "بيدزينا"، إلا قبل نحو عامٍ تقريباً. واعتاد إيفانيشفيلي خلال فترات إقامته في جورجيا، أن يسكن قلعةً من زجاج منعزلةً فوق هضبة مطلة على تبليسي، صممها له خصيصاً المعماري الياباني "شين تاكاماتوس" بتكلفة بلغت 50 مليون دولار، ومعها حديقة حيوانات تضم كائنات نادرة مثل طيور البطريق. وقد عرف عن إيفانيشفيلي ولعه باقتناء الأعمال التشكيلية لكبار الرسامين العالميين؛ حيث احتل اسمه عناوين الصحف الغربية في عام 2006 عقب شرائه لوحة لبيكاسو بـ95 مليون دولار، رغم أن سعرها الحقيقي لا يتجاوز 60 مليون دولار. وقد جذب إيفانيشفيلي مناخُ الحياة الأرستقراطية في فرنسا، حيث استقر هناك منذ عام 2002، وحصل على الجنسية الفرنسية في عام 2010، مما أدى إلى إسقاط الجنسية الجورجية عنه، لكنه استعادها مقابل تخليه عن الجنسية الروسية. ويربط إيفانيشفيلي إثارة اللغط حول جنسيته الفرنسية بمعارضته المتزايدة لنظام الحكم. ويُذكر في هذا الخصوص أن السلطات الجورجية وجهت لتحالف "الحلم الجورجي"، وبعد شهر واحد من تأسيسه، تهمة القيام بحملة لشراء أصوات الناخبين، كما اتهمت إيفانيشفيلي بانتهاك قواعد تمويل الأحزاب السياسية. ورغم الثناء الذي نالته الانتخابات الجورجية الأخيرة، فثمة شكوك حول المسار المستقبلي لجورجيا، وما بات يحيطه من التباسات في ظل فوز إيفانيشفيلي، ليس فقط بالنظر لعلاقاته بروسيا، منطلق ثروته وموطن استثماراته، ولكن كذلك أخذاً في الاعتبار لكونه تاجراً ورجل أعمال لم يتقلد وظيفةً عموميةً في حياته، كما أن مصالحه التجارية والمالية قد تؤثر على قراراته وهو رئيساً للحكومة. ثم إن جورجيا، الدولة القوقازية الصغيرة الواقعة عند ملتقى أوروبا وآسيا، والتي استعادت استقلالها لدى تفكك الاتحاد السوفييتي عام 1991، ليست بحاجة لتكرار الخيبات العديدة التي مُنيت بها في السابق، وإنْ من خلال انتقال ديمقراطي سلمي في ظاهره اليوم! فقد تحولت آمال الاستقلال الجورجي إلى أزمات اقتصادية واضطرابات داخلية طيلة التسعينيات. أما "ثورة الزهور" التي أطاحت بحكم شيفرنادزه عام 2003، وكان إيفانيشفيلي أحد مؤيديها، فسرعان ما تباطأت الجهود الإصلاحية لنظام الحكم الذي أعقبها برئاسة ساكاشفيلي، لاسيما بعد الحرب مع روسيا في أوسيتيا الجنوبية عام 2008. ولا يبدو أن من صوتوا لتحالف إيفانيشفيلي يهمهم أساساً بأي دولة يبدأ أولى زياراته الخارجية، بل يعنيهم قبل أي شيء آخر أن يضع البلاد على سكة الانطلاق ويهيئها للإقلاع الاقتصادي والديمقراطي. محمد ولد المنى