ظهرت في مرحلة ما بعد الثورات العربيّة آراء من قبل بعض الكُتاب في الشأن الإسلاميّ السياسيّ العربي تنوه بأنه حتى يستطيع الإسلام عبور المرحلة يتعين عليه أن يخرج نفسه من "الإسلام الدعوي إلى الإسلام المؤسساتي" بحيث يؤمن بأن ثمّة انخراطاً في حيثيّة جديدة. وقد نوّه الدكتور رضوان السيد لهذا حين قال "إنه عهدٌ جديدٌ للدين في ظلّ الحرية. وهذا يتطلب من أهل المؤسسة الدينية بالذات عملاً إصلاحياً كبيراً وجذرياً، في إعادة تقديم الوظائف القيمية والأخلاقية للدين، ووعي رجالاته بالنفس والعالَم، وهو دورٌ لا يمكن أن يستقيم إلاّ بشرطين: الاجتهاد والتجديد وتغيير رؤية العالَم، وإخراج الدين من أهوال الصراع على السلطة". ولكن ما أن ظفر بعض الإسلاميين بمكان أو فسحة في المشهد السياسيّ الرسمي (في الحكم )حتى تلكأ الإسلام السياسي العربيّ في تحقيق الانسجام في حيّز بناء دولة المؤسسات أو قبول التعاطي السلس مع من يخالفه في الرؤى والمعتقد والذهنيّة. فالتيار السلفي في تونس مثلاً حارب الطالبات في الجامعات سعياً وراء عودة النساء إلى زمن القرون الوسطى، وفي مصر وقع المصريون والثورة ومكوناتها بين خيارين، إما قبول الإسلاميين وتسليم مصر ومؤسساتها إليهم، أو القبول بعودة النظام القديم بحلة جديدة، وسرعان ما تحدى الإسلاميون العمليّة السياسيّة، وتبيّن أن كلام أردوغان الذي فضّل علمانيّة الدولة المصريّة على إسلاميتها صار هباءً منثوراً. أما الإسلام السوريّ الإخوانيّ، وخلال الممارسة العمليّة فقد اكتشفنا أن الوثيقة التحديثية التي أصدروها كانت بمثابة جرعة مهدئات في الحقل السياسيّ والثوري السوريّ، وكان مرد صدورها يعود إلى أن "الإخوان" أرادوا إعطاء صورة حسنة عن أنفسهم قبل عقد مؤتمر أصدقاء الشعب السوريّ في تركيا، وكذلك قبل اجتماع المعارضة في إسطنبول. أما في واقع الأمر فقد استغل "الإخوان" السوريون حجمهم في مجلس الوطنيّ وسرعان ما أعاقوا هذا المجلس عن لعب أي دور، عبر الهيمنة والنفوذ وتهميش الأطياف الكثيرة في حقل المعارضة متباهين، كما لو أنّ وقود الثورة في سوريا مصدره تيار الإسلام السياسي وحده. لقد بدا واضحاً أن الإسلام السياسيّ العربيّ لم يطور تصوراته الذهنيّة، ولم يقبل بحداثة الميول والأمزجة وحتى حداثة الاعتقاد وبناء القناعات. هذا مع أن ثقافة التقدم موجودة وحاضرة في ثقافة ومقاصد الإسلام لو استطاع الإسلام السياسي العربيّ استغلالها وأخذها عبرة ودرساً في بناء الدولة المدنيّة. ولو راجع المسلمون وأعادوا قراءة الاجتهادات التجديدية والرؤى التنويرية التي تفهم مقاصد الإسلام وتستبطن روح العصر، لاستطاعوا التأقلم مع ما أفرزته تحولات الثورة في العالم العربيّ، ولكانوا ارتقوا وانسجموا مع ثقافة جديدة أكثر فعالية وتطوراً في نظام الحكم. وخلاصة القول إن الشك في إمكانات الإسلام السياسي العربي سيبقى قائماً حتى لو بنى هذا الإسلام نظام حكم "ذهبياً بمواهب نحاسيّة" على حد تعبير أحد الفلاسفة. فاروق حجّي مصطفى كاتب سوري ينشر بترتيب مع مشروع "منبر الحرية"