أسفرت حادثة سقوط قذيفة أطلقت من داخل الأراضي السورية على بلدة أكاكالي التركية يوم الأربعاء الماضي عن ردود أفعال غاضبة من الحكومة التركية، فقد فوض البرلمان التركي الحكومة نشر القوات خارج حدود البلاد، أي التفويض بشن عمل عسكري داخل سوريا. بدأت المدفعية التركية بقصف أهداف داخل الأراضي السورية ، وكان رئيس الوزراء التركي قد حذر الجمعة الماضية من أن بلاده "ليست بعيدة" عن خوض حرب مع سوريا، وقال إن سوريا "سترتكب خطأ فادحاً إذا اختارت خوض حرب ضد تركيا"، وقد أصدر مجلس الأمن بيانا أدان فيه الانتهاكات السورية للقوانين الدولية. فهل ستمتد نار الحرب الأهلية في سوريا لتصيب جارتها الشمالية، مهددة باندلاع حرب إقليمية بين سوريا وتركيا تستمد وقودها من القضية الكردية وتمتد حرائقها في منطقة الشرق الأوسط كافة؟ ضجيج المدافع التركية والسورية على الحدود، لا يمكن أن يحجب تصاعد هجمات حزب العمال الكردستاني داخل تركيا انطلاقاً من الأراضي السورية ضد الجيش والقوى الأمنية التركية، فمن القضايا التي لا يمكن أن يتم تجاهلها في خضم الأحداث الدامية في المنطقة القضية الكردية، وكانت تركيا قد اتهمت النظام السوري بدعم الأكراد لوجستياً وعسكرياً، عدوها اللدود "حزب العمال الكردستاني"، الذي انتقل بنشاطاته إلى شمال شرقي سوريا بعد أن انسحب الأمن السوري من المناطق الكردية وتحولت المنطقة إلى قواعد لحزب "العمال الكردستاني" يشن منها عمليات عسكرية ضد الأراضي التركية، كما استقبلت المنطقة لكثير من عناصره القادمة من العراق، والجدير بالذكر تصريح رئيس إقليم كردستان مسعود البرزاني بأن الإقليم يدرب عدداً من المقاتلين الأكراد السوريين بهدف تمكينهم من حماية مناطقهم". وقد هددت الحكومة التركية باستهداف المناطق الكردية. كما أعلنت الحكومة التركية عن استعدادها لملاحقة العناصر الكردية داخل الأراضي السورية، إذا تحولت المنطقة إلى ملاذ آمن لحزب "العمال الكردستاني"، على غرار ما هو حاصل في شمال العراق. تاريخياً منذ تأسيس جمهورية أتاتورك عام 1924، لم يعد لأي مجموعة إثنية غير تركية، ممارسة حقوقها السياسية والثقافية والإدارية، وبدأت الدولة بسياسة تتريك الأكراد، حيث ألغت وجودهم كإثنية عرقية ورفضت الاعتراف بالقضية الكردية، واستمرت الدولة بمحاربة حركات التمرد الكردية، وجاء تأسيس حزب العمال الكردستاني في وادي البقاع في لبنان عام 1978، الذي هدف إلى إقامة دولة كردستان المستقلة انطلاقاً من الأراضي السورية، إلا أن إبعاد زعيم حزب "العمال الكردستاني" عبد الله أوجلان من منفاه الدمشقي في سبتمبر 1998 ثم القبض عليه في كينيا عام 1999 وإحضاره إلى تركيا كان بداية تأسيس علاقة تعاون وشراكة استراتيجية بين دمشق وأنقرة استمرت حتى اندلاع الانتفاضة في سوريا. التطورات الأخيرة في المنطقة أعادت إحياء حلم إقامة دولة كردستان شمال سوريا وتحقيق حكم ذاتي في شمال البلاد في حال استمرار الأزمة أو سقوط النظام، رغم أن المعارضة السورية تضم "المجلس الوطني الكردي" و"حزب المستقبل الكردي". حلم دولة كردستان الكبرى التي تضم أراضي إيرانية وعراقية وسورية وتركية سعت الدول مجتمعة لإجهاضه، رغم أن الفيدرالية الكردية في شمال العراق تحيي آمال أكراد سوريا وتركيا ومعهم أكراد إيران، هناك مخاوف جدية من انفصال المناطق الكردية في سوريا بما يشبه الحكم الذاتي القائم في المناطق الكردية العراقية. لقد بدأت أنقرة تدفع ثمن موقفها من الصراع الدائر في سوريا، ورغم تفويض البرلمان التركي والمناوشات الحدودية المستمرة، لا يمكن السماح بإشعال حرب حدودية قد تصبح مقدمة لحرب إقليمية. اليوم تلعب الأطراف الإقليمية لعبة صفرية، فالحكومة السورية تلعب بالورقة الكردية ضد الحكومة التركية، التي لم تخف دعمها للمعارضة السورية، ولكن دمشق لن تسمح بإقامة حكم كردي ذاتي في المناطق الشمالية، فيما الأكراد يخوضون حرباً بالوكالة ضد تركيا، ونجحوا في منع إقامة مناطق عازلة أو آمنة على الحدود التركية. تركيا لا تريد التدخل عسكريا في سوريا ولكنها تهدف لحماية أراضيها ، فيما تستطيع أن تحجم "الورقة الكوردية " باللجوء إلى الحلول السياسية والتفاوض مع حزب العمال الكردستاني لتحجيم وتحييد الخطر الكردي وتلك هي المعضلة التركية.