علقنا مراراً في هذه الصفحات مؤكدين أن الحدث الأهم هذا العام هو انتخابات الرئاسة الأميركية التي ستجرى في السادس من شهر نوفمبر المقبل. وعلى رغم إجراء انتخابات هذا العام في دول أخرى، كبرى ومهمة، مثل روسيا وفرنسا وأمس الأحد في فنزويلا، إلا أن انتخابات الرئاسة تلك لم تسجل اهتماماً أو متابعة عالمية واسعة سوى لأيام معدودة، بعكس انتخابات الرئاسة الأميركية التي يتابعها العالم بأسره ويرقبها، وهي التي تمتد على مدى عام كامل من الشتاء إلى الشتاء، من انتخابات التصفية داخل الحزب في الشتاء والربيع إلى المؤتمرات الحزبية في الصيف، والمناظرات في الخريف، والاقتراع الشعبي وهيئة الناخبين، وصولاً إلى تنصيب الرئيس الجديد في الشتاء أو إعادة انتخاب الرئيس السابق الموجود أصلاً في البيت الأبيض لولاية ثانية. واليوم نرى كيف أن انتخابات الرئاسة الأميركية تشغل بال واهتمام العديد من الدول وصناع القرار في العالم. وفي كثير من الأحيان بسبب هذه الانتخابات تتأجل القضايا والاستحقاقات حتى لا تعكر صفو الرئيس الذي ينافس لولاية ثانية، أو يترأس ولاية أخيرة ويبحث عن إرث يخلد نجاحاته وإنجازاته، وليس إخفاقاته وفشله. ولذلك فإن الكوارث أو الأزمات والحروب لا مكان لها في الأجندة، ويجب أن تؤجل إلى ما بعد استحقاق انتخابات الرئاسة. والحال أن قدر العالم وقضاياه في سنة انتخابات رئاسية كهذه هو انتظار الحسم وتأجيل كل الاستحقاقات الكبيرة حتى لا تفرض وتُقحم تلك القضايا المزعجة في مسار وأولويات معركة الرئاسة الأميركية التي عادت الآن بعد سنوات مديدة، منذ تفجيرات 11 سبتمبر، لتتمحور حول الشأن الداخلي من ميزانيات وضرائب وبطالة وخدمات. وانتخابات الرئاسة هذا العام تكتسب أيضاً أهمية أكبر بسبب الأزمة المالية العالمية التي تحفز الكثير من الناخبين الذين تضرروا منها على الاهتمام بمجريات الانتخابات. وكان ذلك واضحاً من خلال متابعة 67 مليون أميركي للمناظرة الأولى التي عقدت يوم الأربعاء الماضي بين أوباما ومنافسه الجمهوري ميت رومني... وهذا رقم قياسي في متابعة المناظرات في تاريخ انتخابات الرئاسة الأميركية. وفيما يعنينا نحن يبدو المشهد الإقليمي مرتبكاً وملتهباً ومفتوحاً على شتى الاحتمالات مع دخول فصل الخريف. وقضايانا، كقضايا بقية العالم، تنتظر استحقاق انتخابات الرئاسة الأميركية وما سيقرره الناخب الأميركي، بعد أقل من شهر، لتحديد من سيكون سيد البيت الأبيض. وتأجيل الاستحقاقات هو عنوان المرحلة إذن، والكل يتابع مجريات وتعرجات معركة ما زال فيها أوباما متقدماً على خصمه رومني، إلا أن فوزه بفترة ثانية في البيت الأبيض لا يزال غير مضمون وخاصة بعد الأداء الجيد لرومني في مناظرة يوم الأربعاء الماضي، وعدم قدرة أوباما على زعزعة الثقة في منافسه وفي أطروحاته. ولذلك لا نستغرب اليوم الجمود في كل شيء، فلا حل لأقدم وأكثر أزمات العالم طولاً وتعقيداً وهي قضية الصراع العربي الإسرائيلي. ولا حل في الأفق المنظور أيضاً حول الشأن الإيراني وسيناريوهات المواجهة الممكنة قبل أن ينقشع غبار معركة الرئاسة الأميركية، ليبقى أوباما في البيت الأبيض أو يحل مكانه رومني الأكثر تشدداً. وفي هذا السياق نرى أيضاً تجرؤ نتنياهو على التدخل في انتخابات الرئاسة الأميركية، وإحراجه للرئيس الأميركي في أكثر من مناسبة، مما دفع أوباما لرفض اللقاء معه على هامش الاجتماعات البروتوكولية التي يعقدها مع رؤساء الدول والوفود الموجودة في نيويورك للمشاركة في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة. وقد دفع ذلك نتنياهو للتهجم على أوباما دون أن يسميه، معلقاً بأن من يرفضون وضع خط أحمر على تخصيب اليورانيوم الإيراني لا يحق لهم أن يحاضروا على إسرائيل حول طريقة احتواء إيران التي يقول إنها ستصبح نووية خلال أشهر وليس سنوات. وفي مثل هذا الكلام ممارسة للضغط على إدارة أوباما في سنة انتخابات حاسمة، وسط مزايدات من المنافس الجمهوري الذي اتهم بدوره الرئيس الأميركي بأنه يتخلى عن إسرائيل. ولا كلام عن حل قريب أيضاً للمأزق الأخلاقي والإنساني في سوريا والنزيف الدامي هناك. ولا يبدو أنه سيتبلور حل بتسليح الجيش السوري الحر أو فرض منطقة عازلة وحظر طيران على النظام السوري قبل مطلع العام القادم وبدء إدارة أوباما الثانية، أو إدارة رومني الأولى. وكذلك يبقى الجمود واللاحسم سيد الموقف في الشأن الروسي والصيني والأوروبي وغيرها من القضايا. وفي المجمل فإن حلفاء وخصوم أميركا يترقبون جميعاً ويتابعون مخاض صراع الانتخابات الرئاسية، في مشهد عالمي يتكرر كل أربع سنوات. والرئيس الذي يُنافس على ولاية ثانية عادة ما يكون في وضع دفاعي، حيث تفرض عليه قواعد اللعبة أن يقف مدافعاً عن أدائه ومعدداً إنجازاته، ولذا يُظهر أوباما الآن تصميمه على الاستمرار في خدمة أبناء بلده، وخاصة الطبقة الوسطى وعدم السماح للطبقة الثرية والشركات والمؤسسات بالإثراء على حساب الطبقتين الفقيرة والوسطى، حسب برنامج حزبه الانتخابي وأطروحاته التي لا يمل من تكرارها. وفي انتخابات هذا العام لا يبدو أن هناك أيضاً شأناً أو قضية أهم وأكثر إلحاحاً من الأزمة المالية والوضع الاقتصادي والبطالة والنمو الاقتصادي والضرائب. ولذا أتت المناظرة الأولى بين أوباما ورومني لتكون أساساً عن الشأن الاقتصادي مرسخة بذلك مركزية وأولوية الشأن المالي والوضع الاقتصادي كعامل حاسم في انتخابات الرئاسة الأميركية هذا العام. بعكس ما كان عليه الوضع في انتخابات الرئاسة في عامي 2004 و2008 عندما لعب الهاجس الأمني والإرهاب و"القاعدة" وبن لادن أدواراً كبيرة كعوامل مؤثرة بل حاسمة في توجيه قرار ومزاج الناخب الأميركي. وبهذه الطريقة تبقى الولايات المتحدة شاغلة العالم من أدناه إلى أقصاه، في حين تدخل قضايا العالم المعقدة الثلاجة لانشغال أميركا بنفسها. وقد رأينا كيف أن أوباما لم يكلف نفسه عناء الاجتماع مع رئيس وفد أي دولة سواء أكان رئيساً أو رئيس وزراء على هامش فعاليات الجمعية العامة للأمم المتحدة، وكانت هذه هي المرة الأولى منذ عقدين من الزمن التي لا يجتمع فيها رئيس أميركي مع رئيس أي دولة في اجتماعات الأمم المتحدة. وللمفارقة أن أوباما وجد الوقت، مع ذلك، ليظهر في برنامج حواري تقدمه مجموعة من النساء المشهورات في دعاية له لاستمالة الصوت النسائي. وهذه الحادثة إن دلت على شيء، فإنما تدل على الكيفية التي تتراجع بها في سنة انتخابات الرئاسة جميع القضايا الدولية لصالح الشأن الأميركي، ولخطب ود الناخب الأميركي واستمالة صوته وعقله وقلبه.. وهذا ما يسمح به النظام السياسي الأميركي بل يكرسه. وعلى كل لم يبق سوى قرابة شهر من انتظار العالم وقضاياه ومنغصاته في غرفة ترقب انتخابات الرئاسة الأميركية... ومن حسن الحظ أنها تتكرر مرة واحدة فقط كل أربع سنوات!