نجح علماء مستشفى الأطفال بمدينة كنساس الأميركية في فك وتحليل رموز الشفرة الوراثية كاملة لطفل حديث الولادة، وتشخيص العيوب والاختلالات الموجودة فيها، ثم إرسال النتائج النهائية لأطباء قسم العناية المركزة الذي يوجد فيه الطفل، في غضون خمسين ساعة فقط، وهو ما يعتبر اختراقاً طبياً تكنولوجياً غير مسبوق، بناء على أن نفس الخطوات في السابق كانت تستغرق شهراً كاملًا على الأقل. وتأتي أهمية هذا الاختراق من حقيقة أن ثلث الأطفال حديثي الولادة الذين تفرض حالتهم الصحية حجزهم في أقسام العناية المركزة بالمستشفيات والمراكز الطبية، يعانون من مرض أو اختلال وراثي، نتيجة طفرة في الجينات أو الكروموسومات (الأجسام الصبغية). ولكن في ظل حقيقة كون الأمراض والاختلالات الوراثية تزيد عن 3500 مرض، وجزء كبير منها نادر وغير معتاد، يصبح تشخيصها بسرعة ودقة أمراً غير هيِّن أو سهل، حيث كان الخيار الوحيد أمام أطباء العناية المركزة، وقبل الاختراق الذي حققه أطباء مستشفى كنساس مؤخراً، هو الانتظار لمدة شهر كامل، حتى يتم تحليل الشفرة الوراثية للطفل المريض، وتشخيص الاختلال الوراثي فيا، قبل أن يبدأوا بالعلاج، وهي فترة طويلة جداً في ظل تردي الحالة الصحية لهؤلاء الأطفال، ووفاة الكثير منهم قبل وصول نتيجة التحليل. هذا على رغم كون فترة الشهر هذه تعتبر في حد ذاتها من أهم التطورات الطبية في القرن الحالي، بناء على أن أول فك وتحليل لرموز الشفرة الوراثية كان قد استغرق عدة سنوات، وتخطت تكلفته مليارات الدولارات. وهذه العملية التي عرفت بمشروع الجينوم البشري (Human Genome Project)، بهدف معرفة تركيب ووظائف جميع الجينات (ما بين 20 ألفاً إلى 25 ألفاً) التي تشكل المادة الوراثية أو الجينوم، بدأ العمل فيها نهاية عام 1990، واستغرق عقداً كاملاً لنشر أول مسودة مبدئية عام 2000، وهو الحدث الذي بلغ من الأهمية تولي الرئيس الأميركي الأسبق "بيل كلينتون" بالترافق مع رئيس الوزراء البريطاني حينها "توني بلير" الإعلان عن إنجازه. وبحلول شهر أبريل من عام 2003، وقبل عامين كاملين من التاريخ المتوقع، أعلن عن إتمام مشروع الجينوم بشكل كامل، وبتكلفة تخطت الثلاثة مليارات دولار، تحمّل الجزء الأعظم منها دائرة أو وزارة الطاقة ومعهد الطب الوطني الأميركي. ومنذ الإعلان عن إتمام مشروع رسم خريطة الشفرة الوراثية للجنس البشرى ارتفع سقف الآمال فيما يمكن لهذا الإنجاز العلمي أن يحققه للبشرية على صعيد صراعها التاريخي مع المرض، وبالتحديد تلك الآمال المتعلقة بتطبيقات واسعة تخفف الآلام والمعاناة اليومية لكثير من المرضى، سواء المصاب منهم بأمراض وراثية أو غيرها من أمراض. وإن كانت هذه الآمال قد ترافقت أيضاً مع مخاوف من التبعات بعيدة المدى لاحتمال العبث بالتركيبة الوراثية للجنس البشري، وفداحة النتائج الاجتماعية والاقتصادية المحتملة على الحياة البشرية، وعلى تركيبة المجتمع البشرى كما نعرفه. وتعتبر الفحوص الوراثية بهدف الكشف عن الاضطرابات والاختلالات الجينية، أهم التطبيقات الحالية لمشروع الجينوم. فنتيجة لسهولة ودقة الفحوص الوراثية، أصبح استخدامها في التشخيص شائع الاستعمال في العديد من الدول؛ فمثلًا في الولايات المتحدة فقط يتم إجراء الملايين من هذه الفحوص سنوياً. وبالإضافة إلى أهمية الفحوص الوراثية في تشخيص وعلاج الأمراض الوراثية أصبحت أيضاً ذات أهمية في مجال الوقاية من الأمراض. حيث أظهرت مثلا العديد من الدراسات وجود علاقة بين الإصابة بالأمراض السرطانية وأمراض القلب وبين التركيبة الوراثية. ولذا يمكن أن تلعب هذه الفحوص دوراً مهماً في تحديد الأشخاص الأكثر عرضة للإصابة بهذه الأمراض، وبالتالي تحذيرهم مبكراً حتى يغيروا نمط حياتهم وعاداتهم الغذائية والرياضية، وكي يقللوا من عوامل الخطر الأخرى المعروف عنها دورها في زيادة الإصابة بتلك الأمراض. وفي المستقبل القريب يعتبر مجال تصميم الأدوية والعقاقير الطبية بشكل شخصي، لهذا المريض أو ذاك، بناء على تركيبتهما الوراثية، من المجالات الواعدة التي يمكن أن تحصد فيها فوائد جمة من مشروع الجينوم، حيث أصبح الأطباء يدركون بشكل متزايد أن فعالية العديد من الأدوية والعقاقير، وحدّة آثارها الجانبية، تتوقف إلى حد كبير على اختلاف التركيبة الوراثية بين مريض وآخر.? كما أنه في ظل الاختراق الذي حققه أطباء مستشفى الأطفال بكنساس، ونشرت نتائجه الأسبوع الماضي في إحدى الدوريات الطبية المرموقة (Science Translational Medicine)، وقدرتهم على الوصول للتشخيص السليم في ثلاث من كل أربع حالات، يتوقع أن تلعب الفحوص الوراثية دوراً أكبر في الممارسات الطبية اليومية، بسبب السرعة التي أصبح يمكن الحصول بها على النتائج، مقارنة بالفترة الطويلة التي كانت تستغرقها سابقاً، وتحد من فائدتها للطبيب القائم على رعاية مريض في حالة صحية حرجة بالعناية المركزة. والآن، ومن خلال عينة دم، وفي غضون يومين فقط، يمكن للطبيب المعالج أن يعرف طبيعة الاختلال الوراثي الذي يعاني منه المريض الموجود تحت رعايته، ومن ثم البدء في خطوات العلاج في زمن قياسي، وهو ما من شأنه أن يحدث ثورة في مجال طب الأمراض الوراثية.