يبدو أن المصلحة هي الحكم الأول والأخير في الكثير من البلدان، وبريطانيا التي سقطت في الفخ وعدم القدرة على تحديد الصديق من العدو في مناسبات كثيرة ليست استثناءً، فهنات لندن منذ أن كانت عاصمة الدولة الاستعمارية القديمة الأولى، مروراً بانجرارها خلف الولايات المتحدة في الحرب على العراق، ومشاركتها لعبة أسلحة الدمار الشامل الكاذبة، وأيضاً مشكلتها الأخلاقية فيما يتعلق بعلاقتها المشبوهة من خلال رئيس وزرائها الأسبق توني بلير وغيره من رؤوس الحكم لديها آنذاك مع معمر القذافي الرئيس الذي تم التخلص منه بعد أن كان يستعد لينصب خيمته في عقر دار المملكة المتحدة، والتي كان رئيس وزرائها "حاجاً" منتظماً إلى خيمة القذافي في طرابلس الغرب لينسج الصفقات على حساب الشعب الليبي... كلها تؤكد هذا المفهوم. الجديد القديم في العجوز الإنجليزي هو علاقته الواضحة بتنظيم الإخوان المتأسلمين (البغاة) الذي يرتع أبناؤه في أوروبا وتحديداً في بريطانيا منذ بداية الخمسينيات. وتعتبر بريطانيا واحدة من أهم الدول الغربية التي أسهمت في صناعة هذه الجماعة التي هي في الأصل صنيعة غربية بامتياز، وقد تمت صناعتها بهدف محاربة العرب بتمزيق شملهم الداخلي عبر استخدام ورقة الدين. وقد نجحت جماعة البغاة الإخوانيين في تفتيت اللحمة الوطنية في أكثر من بلد طارحةً نفسها على الساحة كحركة دينية إسلامية، غير أن علاقتها مع الغرب ظلت مصدر شك. المفارقة هي أن الصحف البريطانية قد فتحت أبوابها لكتاب إخوانيين لا يتمتعون حتى بالقدرة على كتابة مقال محترف، بل أن أغلب كتاباتهم إن لم يكن جميعها ركيكة للغاية، لكنهم وبسهولة استطاعوا أن يحجزوا لهم مساحات مقدّرةً على صدر كبريات الصحف الغربية والبريطانية تحديداً، في الوقت الذي يسعى فيه المخضرمون في الكتابة الصحفية إلى نيل ذلك المكان! ولأن الدولة البريطانية عوّدتنا على إيمانها بمبادئ ميكافيلي، فقد توهّمت في الإخوانيين حصان طروادة الذي تدخل من خلاله إلى جنة النفط في الخليج، لذلك فتحت الأبواب وسخّرت وسائلها الإعلامية لبعض المرتزقة من الإخوان المتأسلمين، ومنهم بعض "إخوان" الإمارات الخونة الذين لفظهم بلدهم ومقتهم شعبهم فيمّموا حاجين نحو الغرب، ولجأوا إلى بعض القنوات الرخيصة التي تسعى إلى خلق بلبلة إعلامية عبر قضايا جذابة تتعمد فيها الإثارة والتحريض وخلق الفوضى في مختلف البلدان الآمنة، ومن ذلك إكثارها من التحدّث عن فئة تدعي أنها مضطهدة في الإمارات! الموضوع دون شك يعدّ مغرياً لتك الصحف، لأن دولة الإمارات العربية المتحدة تتمتع بقوة اقتصادية كبيرة وصندوق سيادي هو الأكبر من نوعه في العالم الذي تعاني معظم دوله من شلل اقتصادي مدمّر، وفيها يعيش المواطن برفاهية عالية، ويحظى المقيم بحصة من ذلك الرفاه. لكل هذه الأسباب أصبحت الإمارات هدفاً منشوداً لزعزعة الاستقرار، وهدفاً للابتزاز من خلال الجندي المخلص المتمثل في "جماعة الإخوان المتأسلمين"، وهو جندي وفيٌّ لسيده البريطاني الذي أسهم بفاعلية في صناعته في اليوم الأبيض ليستفيد من تسخير مجهوداته في اليوم الأسود. فتنظيم البغاة الإخواني برع في مغازلة العجوز الإنجليزي بتقديم نفسه ككيان مضمون لا تعجزه السيطرة على الحركات المتشددة، وقد تمكن من إيهام بريطانيا بامتلاكه القوة المطلقة في الشارع العربي، والقدرة على شل كل الحركات لمصلحته، وتأمين المصالح الغربية، ساعدته على ذلك قنواته التلفزيونية الرخيصة التي حاولت إكمال الصورة الواهمة الضخمة التي رسمها أمام عيون الإنجليزي العجوز. الانتهازية البريطانية ليست جديدةً، لكنها قديمة قدم بريطانيا التي كانت لا تغيب عنها الشمس لكثرة مستعمراتها التي مارست ضدها كافة أنواع الاضطهاد، وهي الآن تحاول استخدام هذه الانتهازية بمراهنتها على حصان الإخوان المتأسلم، وهو خطأ تكتيكي فادح لكل من يحاول استخدامه في دول الخليج المختلفة كلياً في ظروفها وخصوصيتها عن بقية الأقطار التي تمكّن هذا الحصان المعطوب من إحداث حرائق هائلة مدمرة فيها باسم ربيع التغيير. ما لم يحسب العجوز الإنجليزي حساباته بدقة، ويدرك حقيقة أن تلك الحركة ليس لها أمان، وكل قراءات تاريخها تذهب بهذا الاتجاه، لأنها ما أن تتمكن حتى ترتد عن وعودها وتنكر عهودها وتنقلب على الصديق قبل العدو... ما يجعل المراقب في حيرة من أمره وهو يشهد أمامه لقاء أكبر قطبين انتهازيين على وجه البسيطة. مراهنة بريطانيا على حركة الإخوان البغاة المتأسلمين هي في المحصلة النهائية لا تعدو كونها مراهنة على علاقة معاقة بحركة فاشلة ومفشلة في ذات الوقت، لأن حركة البغاة ما أن تتسلم قيادة بلد حتى ترميه إلى الهاوية، والنماذج كثيرة لو قرأنا نتائجها في دول عديدة وصل "الإخوان" فيها إلى سدة الحكم من تونس إلى ليبيا وحتى مصر. العجوز البريطاني أضاع مصلحته مرة أخرى فترك دول الخليج المستقرة التي تشكل فرصاً استثمارية هائلة، ليراهن على جماعة فاشلة شعبياً وفكرياً، وأعضاؤها لا يمثلون إلا قلة في المجتمع، وتأثيرهم شبه معدوم على الأكثرية الوطنية في الإمارات. وحينما تراهن بريطانيا على الإخوان المتأسلمين فهي دون شك تتحدى ليس حكومياً بل وشعبياً أيضاً، وترهن قواها لمجموعة ضئيلة منبوذة، وهو توجه يمثل في جوهره سقطةً لبلد يملك كل هذا الكم التراكمي من تجارب التاريخ ، فالإخوان المتأسلمون سيسعون إلى خلق أفغانستان جديدة في المنطقة بهدف إغراق دولها ومجتمعاتها في دوامة طويلة من الضياع والشتات بمساهمة غربية أيضاً. اللعبة القذرة التي تسهم فيها دول غربية عديدة على رأسها بريطانيا، مكشوفة من خلال زرع بذرة "فرق تسد"، التي سبق واستخدمتها بريطانيا الاستعمارية في الدول التي احتلتها مسبقاً، وهي الآن من خلال الإعلام وبعض منظمات حقوق الإنسان ترفع كثيراً من أسهم الإخوان المفلسين، لكنها لا تعلم أن هذا الثعبان الإخواني سرعان ما يلدغ صاحبه لدغة مميتة غادرةً في أول فرصة تتاح أمامه.