على مدى شهور، دار جدل كبير في اللجنة التأسيسية للدستور بمصر بشأن المادة الثانية في الدستور المصري، والتي تنص على أنّ "الإسلام دين الدولة، واللغة العربية هي اللغة الرسمية، ومبادئ الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع". فقد أراد السلفيون حذف كلمة مبادئ، أو إحلال مفرد أحكام محلها. وذلك لأن المحكمة الدستورية العليا بمصر كانت قد فسرت مفردة "المبادئ" بمعنى القواعد العامة والروح العامة. وبسبب اشتداد الخلاف جرى التوصُّل إلى حلٍ وسط مؤداه بقاء المادة على ما هي عليه في دستور العام 1971، وأن يُعهد للأزهر وليس للمحكمة الدستورية بتفسيرها في حالات الخلاف والاختلاف. ويبدو ذلك لأول وهلةٍ تقويةً للأزهر، بحيث يصير من حقه التدخل في تفسير الدستور. إنما من جهةٍ أُخرى فإن ذلك يزيد من التداخُل بين الدين والدولة وليس في ذلك مصلحة، فوق المصاعب التي يُعانيها مفهوم الدولة المدنية بعد ثورة يناير. ومن جهةٍ أُخرى، فإن إدارة الأزهر تتعرض بالتدريج للتغيير، وقد يحلُّ في مشيخته بعد سنواتٍ قليلةٍ إخواني أو سلفي، كما حلَّ في وزارة الأوقاف في حكومة مُرسي الأُولى شيخٌ ذو ميولٍ سلفية. لقد بدا شيخ الأزهر الحالي الدكتور أحمد الطيب شديد الاستقلالية بعد الثورة، وصارت مؤسسة الأزهر بموقعها الإسلامي والوطني العريق، مرجعاً للجميع. وقد عمد شيخ الأزهر بعد الاضطرابات على الأقباط إلى إنشاء "بيت العائلة المصرية" الذي يضمه وبابا الكنيسة القبطية، والكنائس المصرية الأُخرى. وعندما تصاعد الاضطراب بعد الثورة أقبل الأزهر على إصدار وثائق يتوافق عليها سائر الفرقاء. ومن ذلك وثيقته حول مستقبل نظام الحكم في مصر، ووثيقته حول حركات التغيير العربية، ووثيقته بشأن الحريات. ومعروفٌ أنه كانت لـ"الإخوان"، وأكثر للسلفيين، تحفظاتٌ على شيخ الأزهر وعلى المفتي، لأنهما يأبيان الحزبية والتحزب حرصاً على موقع الأزهر، وعلى وحدة الشعب المصري. وكان جدالٌ قد دار بين الأزهر والقرضاوي، المحسوب على "الإخوان"، اتهم خلاله أحد موظفي القرضاوي شيخ الأزهر والأزهريين بالانحياز للنظام السابق. والسؤال الآن: ما هو مستقبل علاقات الأزهر بسادة المسرح (من "الإخوان" والسلفيين) بعد وصولهم للسلطة؟ يميل الطرفان ("الإخوان" والسلفيون) للتهدئة مع الأزهر، لكن الاختلافات العقدية والمصلحية يمكن أن تعود للبروز على السطح، بعد حرص سائر الفرقاء على عدم الصدام مع المؤسسة الدينية الإسلامية الكبرى. على أنّ هذا التوتُّر بين الأطراف من حول الأزهر ليس جديداً. ذلك أن المؤسسات الدينية السنية الكبرى لا تميل للحزبية والتحزب. والمعروف أن علائق المؤسسات الدينية بالسلطات العربية، مرت بأحد ثلاثة أنماط من العلاقات: إما الضغط الشديد لحدود الإلغاء، كما حصل في سوريا وتونس والجزائر وليبيا والعراق، أو استتباع المؤسسة دونما إضعاف مثلما حدث في السعودية ومصر والمغرب، أو الحيادية إزاءها كما حدث في بعض البلدان الصغرى مثل لبنان واليمن والأردن. والملاحظ أنه في البلدان التي عانت فيها المؤسسة التهميش والإضعاف؛ فإن الأُصوليات صعدت وتكاثرت. وفي حالات الحرب والاستغلال، أقبل رجالاتها على إصدار الفتاوى العامة والخاصة لمصلحة السلطة أو خصومها حسب توجيه الذين يؤثّرون في عمل تلك المؤسسات. أما في الدول التي جرى استتباع المؤسسة فيها، فقد ظهر فيها "جهاديون" أقل عنفاً وأكثر هدوءاً من أيديولوجيي "القاعدة" وأشباههم. في حين قلَّ العنف كثيراً في الدول التي كانت فيها المؤسسة الدينية تُعنى بالشأن الديني في استقلالية نسبية. لقد كان التحدي للمؤسسات الدينية كبيراً في المرحلة الماضية، لأن الأنظمة ما كانت بشوشةً إطلاقاً مع الإسلاميين الحزبيين. وبالطبع ما تدخلت تلك المؤسسات لمصلحة الإسلاميين المعارضين الذين نافسوها بجد لوقوف الناس معهم بسبب الملاحقات التي كانوا يتعرضون لها. وها هم المُلاحَقون يصبحون في السلطة، وقد يخطر لكبارهم تكسير تلك المؤسسات باعتبارها منتميةً إلى الأنظمة السابقة. لكن أخبار مصر الأخيرة تعني أن السادة الجدد لا يريدون إضعاف الأزهر، بل يريدون إعطاءه المزيد باعتبارهم أميل للإسلام من سابقيهم؛ وهذا على الرغم من انتماء الأطراف جميعاً للإسلام؛ فإنّ أحداً لا يستطيع التنبُّه إلى ما يمكن أن يحدث إذا تصاعد الخلاف. وعلى سبيل المثال؛ فإنّ "الإخوان" والسلفيين على حد سواء، يتحدثون عن "تطبيق الشريعة"، في حين لم ير الأزهر في ذلك مصلحة، لأن ذلك يقسم كلمة الناس، ويُشعر الأقباط والليبراليين بالتمييز. على أن الأزهر الممول من الدولة المصرية بالكامل (وهي التي تدير أوقافه التاريخية)، لا يُعاني فقط الضغوط من خارجه وحسْب، أي من الإسلاميين الجدد الذين دخلوا إلى السياسة المصرية بقوة، بل يعاني أيضاً الداخل. فبين شيوخه وطلابه كثيرون من "الإخوان"، وسلفيين لا يُستهان بعددهم ونفوذهم. وإذا كان السلفيون مهتمين بتصحيح العقيدة والعبادة داخل مؤسسات الأزهر المتأبية على ذلك؛ فإن "الإخوان" مهتمون باستتباع الأزهر للإفادة من نفوذه وشعبيته. وهذان الضغطان المتناقضان يجعلان من المؤسسة الكبيرة عاجزةً عن الحراك الواسع وعن التأثير. وعلام يستند الأزهر في استقراره؟ يستند بالطبع إلى التقاليد الكلاسيكية العريقة في العلم، وفي الانتماء إلى الشعب المصري كله، وفي رعايته لمذهب أهل السنة في العالم الإسلامي قاطبة. وعقيدة الأكثرية هي العقيدة الأشعرية، التي تتبنى وتحتضن الصوفية أيضاً، وبين هؤلاء (أشاعرةً وصوفيين على مدى العالم الإسلامي) خصومة تاريخية وحاضرة مع السلفيين الذين كانوا دائماً أقليةً متشددة، لكنهم الآن أقلية ناهضة وقوية. ويقال إن هناك تسلُّفاً بداخل شباب "الإخوان" أيضاً. وما كانت للأزهر الأشعري والصوفي مواقف بشوشة مع السلفيين و"الإخوان" من قبل. ولذا فقد تكون هذه الأصول والخلفيات بين أسباب التوتر. لدى مصر الآن تحديان كبيران متمثلان في الإسلام السياسي بشقيه الإخواني والسلفي. فـ"الإخوان" شعبويون، والسلفيون انفجاريون. وما دام "الإخوان" قد استولوا على الرئاسة، وسيستولون على مؤسساتٍ أُخرى دستورية وغير دستورية؛ فإنه لم يَعُدْ من مصلحة الأزهر البقاء في تبعيةٍ لهذا النظام السياسي المتحول. فالأمر كما قال مارسيل غوشيه، عن الدين في أزمنة التحول؛ بعد نهايات الحرب الباردة: يحتاج الدين والمؤسسة كلاهما إلى التعود على الحرية الجديدة. وعندما تستقلٌّ إدارة الأزهر عن المؤسسة السياسية، لا يعود هناك خوفٌ من تعرض الأزهر للتهميش أو الاختراق من جانب المتحزبين. إنما من أين يأتي الأزهر بالموارد حتى لو أُعيدت إليه أَوقافه؟! ومن جهةٍ أُخرى، فإنه لا أحد في مصر والعالم الإسلامي يريد أن يربّي أولاده أو يصدر لهم الفتاوى حزبيون، يريدون السلطة، ويخوضون الصراع السياسي.