الأطفال مولعون بالتقليد. والتقليد لما يشاهدونه في المجتمع من سلوك. ومن ثم يكشف لعب الأطفال عن مجموعة من السلوكيات الاجتماعية التي تعبر بدورها عن الأوضاع السياسية في البلاد. والأطفال معروفون بالبراءة. هم المرآة العاكسة لما يحدث في واقعهم، ولما يشاهدونه من أحداث، وما يعايشونه من مواقف. لذلك هم من أهل الجنة. هم موضوع بحث علم نفس الطفل. وعادة ما يكون اللعب في أوقات الفراغ آخر النهار بعد المدرسة أو في عطلة نهاية الأسبوع أو في عطلة الأعياد الدينية والوطنية أو في عطلة الصيف. ولما كان الصيف على وشك الانقضاء فقد لاحظت بعض لعب الأطفال ذات الدلالة الاجتماعية والسياسية والثقافية خلال هذا الصيف.
يلعب الأطفال لعبة "شرطي المرور". إذ يقف أحدهم على الممر ويقطع الطريق على المارة ويسألهم: أين الرخصة؟ أين بطاقة الهوية؟ وينزعج المار من هذا الطلب الكبير، من هذا الطفل الصغير. والأطفال عن بُعد، جالسين أو واقفين يضحكون. وهم يرون علامة الجد على صديقهم الشرطي المزيف وهو يحسن التمثيل مادّاً يده، ومحركاً أصابعه من المار إليه وعلى وجهه علامة الجد، وفي طلبه الرقابة على المواطنين المحتالين الذين يسيرون بالعربات من غير رخصة أو الذين لا تعرف لهم هوية. مواطن مثل كل المواطنين، يسعى في أرض الله، ويأكل من خشاش الأرض. فشوق الطفل أن يصبح شرطياً. وهو رمز السلطة والجاه. والرقابة على الناس، وقطع طريق المارة، وهو المفتش في القلوب والضمائر. في قلب كل طفل، من المهد إلى اللحد، هناك شرطي. فالأب شرطي في الأسرة، والمدرس شرطي في العقل، والشيخ شرطي في السلوك. والتعاليم واحدة، الواجب والعيب، الصواب والخطأ، الحلال والحرام. وفي جيل أقدم كان الأمل أن يكون ضابطاً، بل وضابطاً طياراً حتى يقوم بألاعيب الهواء. وكان هو نموذج الحبيب الذي تقع الفتيات في غرامه، بلباسه المزركش، وقبعته المذهبة، ووسامته وقامته، وبقدرته على الارتفاع. وكل فتاة تريد الارتفاع والانتقال من حضيض الأرض إلى أعالي السماء. وكان ضابط الجيش أعلى قيمة في نظر جيلنا من ضابط الشرطة، والآن أصبح أمل الطفل أن يكون مجرد شرطي المرور أو "أمين شرطة". وفي الثقافة الشعبية هناك صراع خفي بين ضباط الشرطة وضباط الجيش، أي الفريقين أولى بالتبجيل والتعظيم والوجاهة الاجتماعية. ضابط الشرطة يدافع عن الأمن في الداخل وضابط الجيش يدافع عن الأمن في الخارج. ومعظم الرؤساء ضباط جيش وقليل منهم ضباط شرطة.
ولعبة أخرى مقابلة وهي لعبة "عسكر وحرامية". إذ ينقسم الأطفال قسمين. الأول العسكر أو الشرطة أو "البوليس" والثاني الحرامية واللصوص. وفي هذه الحالة الحرامية هم الأشجع والأذكى والأقوى والألطف والأظرف والأخف ظلا. وأولاد البلد من العسكر الأجبن والأغبى والأضعف والأغلظ، والأكثر تجهماً، والأثقل ظلا، والغرباء عن البلد مثل التركي وشنبه الغليظ القاسي القلب الذي لا يعرف الرحمة، وعادة ما تكون الغلبة للحرامية، والهزيمة للعسكر. فالنصر في النهاية للشعب ضد النظام، والحق ضد الباطل، وللمواطن ضد الدولة، ولسرقة المحفظة ضد سرقة الدولة ونهب أموال الشعب. فمازال اللص هو اللص الشريف صاحب القيم الذي لا تستطيع الشرطة النيل منه. وقد خلّدت هذه اللعبة رواية "اللص والكلاب".
وفي جيلنا كانت هناك لعب أخرى تعبر عن نضال مصر الوطني مثل "مصريين وإنجليز" كان الأطفال ينقسمون قسمين. الأول يمثل المصريين الوطنيين المناضلين، والثاني يمثل الإنجليز المعتدين المحتلين المغتالين للوطنيين. كان الفريق الأول أذكى وأشطر وأشجع وعلى حق. صاحب هدف ويعمل لقضية. بينما الثاني أغبى وأجبن وعلى باطل. استعماري أجنبي يرمز إليه الخواجه "جون". والنصر باستمرار حليف القسم الأول الذي يستطيع بحركات الجسد وأساليب الفتوة قهر الجندي المدجج بالسلاح والذي يقف عاجزاً عن حرفية ابن البلد في شل حركة الخصم دون أن يشعر وبسرعة غير متوقعة.
وكان جيلنا أيضاً يلعب "أبويا ملك". وهي منافسة بين الأطفال على رفع الأثقال أو قذف أشياء في الهواء ثم تلقفها باليد ولا تقع على الأرض أو كسر عود قصب بضربة يد واحدة. ومن يكسب يكون أبوه ملكاً. فقد كانت صورة الملك معلقة فوق الجدران دون أن نعلم أنه يملك البلاد طولا وعرضاً. يقيل الحكومات، ويهب الدستور، ويتعاون مع الاحتلال، ويكوّن أحزاباً لحسابه هي أحزاب السرايا أحزاب الأقلية. ومع ذلك كان الملك ونحن أطفالا هو الرمز. يُذكر في النشيد الوطني "للمليك اهتفوا، يا أسود الحمى". نهرع إليه مع المدرسة إلى قصر عابدين في عيد ميلاده 11 فبراير ونغني:
لبيك مليكــــــــي لبيـــــــــك حياك لساني وجناني
الغيث هما من كفيك وغدوت جنة وجنــــــــان
تاريخـــك آيـــــة عليــــــــــــا كتبت بيمن الرحمــــــــن
وكانت أحلام الأطفال وقتئذ، صبياناً وبنات، تتلخص في لعبة "عريس وعروسة" تعبر عن أشواق المستقبل. إذ يقوم طفل وطفلة بما لديهم من صغار الأشياء بتكوين شكلين على الأرض، غرفتين، كراسي وسرير، وعليه عريس