سبق أن صرحت وزارة الدفاع الأميركية بأن برنامج الدفاع الجوي متوسط المدى المعروف باسم ميدز MEADS لن يكون ذا جدوى إطلاقاً من حيث العمليات العسكرية، ومع ذلك يصر وزير الدفاع الأميركي ليون بانيتا على أن يضخ الكونجرس 400 مليون دولار في ميزانية الدفاع لهذا البرنامج، وما يثير الدهشة أن الكونجرس وقع ضحية هذه الخدعة. يثير هذا النوع من القصص حفيظة المواطن الأميركي، إذ أنه رغم أن الحكومة الفيدرالية تواجه أسوأ أزمة اقتصادية منذ الكساد الكبير إلا أنها عزمت على المضي قدماً في تمويل برنامج دفاعي لا لزوم له. وبدلاً من الاعتراف بالحق الواضح وإنهاء هذه القصة الهزلية راح "بانيتا" يناشد لجنة الميزانية بمجلس الشيوخ بضخ 400 مليون دولار لهذا البرنامج. يزعم "بانيتا" أنه يريد الاستفادة من بحوث الجزء الخاص برادار المراقبة في هذا البرنامج - كما ذكر أن إيطاليا وألمانيا - بصفتهما شريكي الولايات المتحدة في هذا البرنامج سيعتبران إنهاء المشروع بمثابة نكوص بالعهد موضحاً أنهما سيكونان أقل استعداداً للعمل في مشاريع مشتركة مع الولايات المتحدة مستقبلاً. صحيح أن وزير الدفاع الألماني "طوماس دي مازبير" هدد بأن إلغاء البرنامج سيكون له عواقب غير حميدة على موثوقية الاتفاقيات مع الولايات المتحدة، غير أن أي مراقب أوروبي عادي يدرك تماماً أن علاقات أميركا بألمانيا وإيطاليا لا تتوقف على تمويل برنامج دفاعي فاشل حسب زعم "بانيتا" ورفقائه. صمم نظام "ميدز" لاعتراض الصواريخ الباليستية وصواريخ كروز والطائرات بدون طيار متوسطة المدى على غرار نظام صواريخ باتريوت الذي ثبت نجاحه منذ حرب الخليج الأولى، وفضلاً على هذا التكرار الواضح المهدر للأموال شهد نظام ميدز عدداً من المشاكل، ومنذ بداية مشروعه درج على تجاوز الميزانية المخصصة بل وكثيراً ما تأخرت مراحل تنفيذه. صحيح أن نظام "ميدز" يتميز بقدرته على المراقبة في مجال زاوية 360 درجة خلافاً لنظام "باتريوت" أو كافة نظم الدفاع الصاروخية السابقة إلا أنه لو تم تزويد نظام باتريوت بثلاثة رادارات "متعددة الأغراض" سيكون في مقدوره أيضاً تغطية زاوية 360 درجة بمعنى أن نظام "ميدز" في حد ذاته لا يكفل قدرة جديدة. وبالنظر إلى جميع هذه النواقص تخلت وزارة الدفاع عن هذا النظام في عام 2011 وأعلنت أنها لا تعتزم إتمام مشروع "ميدز" بسبب عدم قدرتها على تحمل نفقاته، ومع ذلك ظل البيت الأبيض يضغط على الكونجرس لتمويل تصميم البرنامج وتطويره لغاية عام 2013 حتى بعد أن قررت ثلاث لجان من مجلس النواب ومجلس الشيوخ عدم تمويله. وما يثير الدهشة أن رأى وزير الدفاع غير المنطقي بشأن غضب الحلفاء نجح، ففي شهر أغسطس الماضي أوصت لجنة مجلس الشيوخ الفرعية المتخصصة بمخصصات ميزانية الدفاع بإعادة تخصيص 380 مليون دولار لميزانية الدفاع والآن وافقت لجنة مجلس الشيوخ المختصة بالميزانية على المضي قدماً في تنفيذ مشروع ميدز. هناك نوع من اللامسؤولية في هذا الموضوع المغالى فيه، فمهما حدث لمشروع "ميدز" من غير المعقول أن تنهار علاقة أميركا بحلفائها عبر الأطلسي. ويعتبر المثال الألماني كافياً لإثبات ذلك، إذ أن أوروبا ستظل مصدر الاستثمار الأجنبي المباشر لأميركا، وتعتبر ألمانيا اللاعب الاقتصادي الرئيسي في القارة، وهذه الحقيقة المتأصلة تقتضي تعاوناً وثيقاً ومستمراً مع برلين في كل شيء بدءاً بتدفقات الاستثمار وانتهاء بالتجارة، كما أن ألمانيا عضو رئيسي في مجموعة القوى الساعية إلى منع إيران من امتلاكها أسلحة نووية. وسيظل هذان الموضوعان قائمين بصرف النظر عن مشروع "ميدز". كما أن لدى حلفاء أميركا مشاكل أخرى، فألمانيا الآن وبلاشك بمثابة المنقذ المالي في أوروبا التي يعتبر استقرارها المالي آخر وأفضل فرصة لدى القارة للخروج من أزمة "اليورو" سالمة، وبالتالي فإن كان لبرلين أن تنفق أموالاً على الدفاع فلابد أن يكون ذلك الإنفاق على نظم ذات جدوى. وإن كان ذلك منطبقاً على ألمانيا فإنه بالقطع يسري على إيطاليا، إذ أن روما على شفا أزمة ديون محدقة، وسيكون في مصلحة أميركا وإيطاليا لو أن روما كفت عن الإنفاق على سياسة خارجية عقيمة. لم يعد لأميركا ترف الإنفاق على مشروع "ميدز"، وإن كانت واشنطن جادة بالفعل في تفادي مصير اليونان فإن عليها الآن أن تفعل ذلك، ومن أجل استمرارها في تمويل ما هو لازم وضروري على جهازها العسكري، فلا مجال عندها لإهدار مال في مشاريع غير ذات جدوى. وما من سبيل أمام خروج الولايات المتحدة من هذا المأزق، إلا أن تنفق على تحديث نظام صواريخ باتريوت الذي ثبت نجاحه وتستعمله بالفعل إحدى عشر دولة حليفة. وإذا تم ذلك يمكن إعداد 60 وحدة إطلاق صواريخ باتريوت معدلة بحلول عام 2016، أما الاختفاء وراء حلفاء متسرعين للاستمرار في إهدار الأموال لم يعد يقنع أحداً. والأمر يقع الآن في يد مجلس الشيوخ لتبني القرار السليم الرافض لإعادة تمويل مشروع "ميدز" في السنة المالية المقبلة، وهو ما سيكون لمصلحة دافع الضرائب والجهاز العسكري الأميركي على السواء. ـــــــــــــــــــــــــــ جون سي هلسمان رئيس ومؤسس مشروع "جون هلسمان" وشارك في تأليف 10 كتب منها "الواقعية الأخلاقية" والسيرة الذاتية لـ"لورانس العرب". ــــــــــــــــــــــــــــــــ ينشر بترتيب مع خدمة "كريستيان ساينس مونيتور"