سوريا تحترق، كل شيء فيها يحترق، الأسواق القديمة في حلب، كنوز تراثية تاريخية ثقافية معمارية أبقت الذاكرة التاريخية لهذه المدينة حيّة عندما دمّر ونهب ما حولها في غزوات كثيرة عبر التاريخ وتم إنقاذها في حلب، يقضى عليها اليوم. الآثار في مدن كثيرة تسرق وتهرّب إلى الخارج. المدن تحرق، المحال التجارية تحرق. ما بني خلال عقود من الزمن يدمّر ويندثر، الدولة تُحرق، النظام يحترق.المجتمع تحترق وحدته، الليرة السورية تحترق، الاقتصاد يتهاوى، والمعارضات تحرق هنا وهناك، وتدمّر ويمارس بعضها ما يمارسه النظام فتحترق صدقيته وتكاد النار تلتهم كل شيء. سوريا ساحة مفتوحة لكل الهواة والمحترفين والراغبين في ممارسة لعبة العنف والحرق وتجربة أنواع الألعاب والأسلحة والفنون الجديدة في هذا المجال، وكأن القرار الدولي، هو بتكريس حصرية هذا الامتياز في سوريا. ليس ثمة ضرورة لامتداد النار إلى الخارج، ويذكرني ذلك بما عشناه في لبنان خلال حرب الحروب التي امتدت منذ عام 75 وحتى نهايات عام 1990. كان لبنان الساحة، وكان الحريق شبه شامل، وكانت كل الحروب على أرضه. من حروب الزواريب الصغيرة لـ"قبضايات" الميليشيات أو لحسابات المنظمات المسلحة مروراً بحروب التنظيمات والأحزاب والقوى ذات الأبعاد الداخلية، وصولاً إلى حروب هذه القوى بالواسطة نيابة عن آخرين وامتداداً إلى حروب وصراعات الدول الإقليمية والدولية وأجهزة مخابراتها المتنوعة. كل من كان يريد أن يلعب أو يصفي حساباً أو يفتح معركة لتعزيز نفوذ أو ممارسة ابتزاز أو تحقيق مكاسب أو توفير حضور أو لعب دور في أي موضوع أو قضية كانت الساحة مفتوحة له ومقفلة على احتمال تمدّد النار إلى الخارج. سوريا ازدهرت اقتصادياً ومالياً منذ بدايات الـ75، الدول العربية بمعظمها تطورت ونمت وبنيت اقتصاداتها القوية منذ ذلك الحين وبمشاركة يد لبنانية قوية. النار في لبنان والبناء والإعمار والازدهار حوله في كل مكان، لم تشهد المنطقة مشكلة إلا الحرب العراقية الإيرانية، والتي استخدم طرفاً فيها لبنان أيضاً على وقع تطور أحداثها. اليوم يتكرر المشهد في سوريا. رغم كل استهدافات بعض الغرب لأهداف معينة في لبنان ورغم أهمية هذا البلد، ورغم اتهامات قوى سياسية محلية هذا الغرب، وعلى رأسه أميركا بالسعي إلى استخدام ساحة لبنان، يبدو للجميع أن التوجه حتى الآن معاكس لهذا التحليل. كل المواقف من روسيا إلى أميركا مروراً بمراكز القرار الفاعلة والمؤثرة تؤكد ضرورة عدم امتداد النار السورية إلى لبنان. تحييد لبنان. العمل على عدم تأثر لبنان ليس حباً له بل لتبقى الساحة مفتوحة في سوريا الآن، ولو لم يكن التوجه الدولي كذلك لانفجر لبنان للأسف لأن القوى السياسية فيه لم تستفد من هذه "الفرصة"، لحماية البلد على الأقل بل غرقت في أحقادها وحساباتها وذهبت في اتجاه المزيد من الانفعال والتحدي والتوتر والبعض يرفض الحوار مع شركائه. تركيا على حدود سوريا. وصلت العلاقة معها إلى حالة عداء بعد أن كانت علاقة شراكة استراتيجية. أسقطت سوريا طائرة تركية قتل الطياران فيها، وتم استيعاب الحادث. سقطت قذائف سورية في الأراضي التركية. دمرت سوريا، استنفر العالم لمنع تطور الحرب. صدرت تصريحات من الجهتين تؤكد الاستنفار والتوتر والعمل على الابتعاد عن الانفجار والتهور. استخدمت سوريا الورقة الكردية داخل تركيا، وقعت أحداث ليست جديدة، حصلت خسائر، استوعب الأتراك الأمر الذي تم اعتباره عادياً، وتلعب تركيا داخل سوريا آخذة اليوم بعين الاعتبار هذا الأمر. إيران لاعب أساسي مباشر في سوريا، هي تدعم النظام، تحميه، وتموله. ويبدو أن الرهان الغربي والدولي هو على إسقاط إيران أو بالأحرى إسقاط محاولات إيران بتمدد نفوذها من خلال ابتزازها واستنزافها في سوريا سياسياً ومالياً وأمنياً لتأتي لحظة الاتفاق معها. المهم أن الأرض السورية هي التي تستخدم ملعباً. الريال الإيراني ينهار، على أبواب انتخابات داخلية وعودة التوترات إلى الشارع الإيراني، وحركات "المجاهدين" و"الإسلاميين" و"الأصوليين" و"المتطرفين" على مختلف تسمياتهم وخلفياتهم وأهدافهم، تتجه نحو سوريا. وكل من يدعمها يستخدم الساحة السورية. فلتبتعد هذه الحركات عن بلادنا الآن، لتقاتل أو تتقاتل أو تقتل على أرض غيرنا. فلا بأس لنا، بل نبعد عنا هذه الكأس، وهذا الاحتمال وهذا "الخطر". كل من يلعب هذه اللعبة من الدول المعنية بمواجهة هذه الحركات أو بدعمها عن قناعة وتفكير بهذه الطريقة، ويعتقد أنه سيكون له دور أو تأثير أو أنه يوفر حماية لنفسه أو أنه يشتري الوقت، وبغض النظر عن كل ذلك، فاللعب هو على أرض سوريا والنتيجة هي إحراق الأخضر واليابس عليها! إنها حرب طويلة، حرب حروب كما عشناها في لبنان، وعلى مستوى أكبر ونتائج أخطر والذي يدفع الثمن هو سوريا وشعبها. يؤكد رئيس الحكومة السورية، أن ثلاثة ملايين ونصف المليون مهجّر حتى الآن داخل سوريا. يضاف إليهم الذين نزحوا إلى الخارج أو غادروا بلدهم ولديهم إمكانيات الإقامة في دول أخرى، والحبل على الجرار والكارثة مستمرة. ولكل شيء نهاية، سوف تتوقف الحرب يوماً ما، ولكن سيكون من الصعب جداً إعادة بناء سوريا، إعادة تراثها ومخزونها الثقافي والإنساني، وإعادة بناء مدنها وقراها، وتجربة لبنان خير دليل على ذلك، والذي يلعب الألعاب التي ذكرنا لن يذهب بالتأكيد لإعادة البناء والإعمار. والمحيط الذي وصلت علاقات معظم دوله بسوريا إلى حال عداء من خلال العداء مع النظام في الواقع، لن يبادر إلى الإعمار، ولن يكون قادراً على ذلك في لعبة الاستنزاف المفتوحة، وفي ظل التطورات الاقتصادية والمالية المتوقعة وحسابات كل فريق بالاهتمام بنفسه لحماية مصالحه. وكل ما يجري في السياسة في أروقة الأمم المتحدة وتحركات موفديها والمبادرات والأفكار التي تطرح من جهات متنوعة، ليس أكثر من تمرير للوقت أو محاولة سد فراغ. للأسف لا نزال بعيدين عن الحلّ، والحريق سيستمر. غازي العريضي وزير الأشغال العامة والنقل اللبناني