"الإرهاب" لفظ يتأرجح بين سوء الفهم في الداخل ويسبب العدوان على المجتمع لتقويض النظام السياسي، وسوء النوايا في الخارج كذريعة للعدوان على الوطن العربي والعالم الإسلامي. هو سوء فهم مقصود أو غير مقصود يستعمل في الداخل بين النظام السياسي وخصومه، وسوء نية مقصود بين الدول الكبرى المهيمنة والدول الصغرى التي تحاول الفكاك بنفسها. ومن هنا أتت ضرورة التمييز بين الإرهاب في الداخل والإرهاب في الخارج، الإرهاب في الداخل كسلاح مزدوج بين الدول والمعارضة، والإرهاب في الخارج بين قوى المهيمنة وقوى التحرر. والإرهاب في كلتا الحالتين له مصادره داخل الثقافات دون تسلل الإرهاب من ثقافة إلى ثقافة أخرى. فالخروج على الحاكم جزء من تراث العنف في الثقافة الإسلامية القديمة عند الخوارج. وأدبيات الإرهاب ذائعة أيضاً في الثقافة الغربية عند جابوتنسكي المفكر الصهيوني وسوريل المفكر الفرنسي وغيرهما ممن "يبررون" استعمال العنف لتغيير النظم السياسية. ولفظ "الإرهاب" نفسه لفظ قدحي. فمن يقبل أن يكون ضحية الإرهاب؟ ومن يقبل أن يكون إرهابياً؟ الإرهاب عنف وقتل وترويع للآمنين، ونقص في الحوار، وشريعة الغاب. ويتضمن اللفظ حكم قيمة مسبقاً وهو الإدانة. وإن لم تتم إدانته بصراحة فإن ذلك يكون تبريراً للإرهاب وتعاطفاً معه وتشجيعاً له. وإنما لفظ "العنف" هو الأخف لأنه لفظ محايد، استعمال القوة بدل الحوار، واليد بدلاً من العقل. والعنف قلب الإرهاب أي ممارسة القوة. فالإرهاب متعدد الجوانب: إرهاب الثقافة، وإرهاب العصر، وإرهاب الدين، وإرهاب الدولة، وإرهاب الوهم … الخ. في حين أن العنف أوضح. ويمكن تحديد معناه. ويشارك الإرهاب في أنه أيضاً عنف متبادل، من يعنف من؟ كما أن الإرهاب إرهاب مزدوج، من يرهب من؟ ويخلو لفظ "العنف" من الإدانة المسبقة. ولا يتضمن حكم قيمة. فالعنف واقع في الحياة اليومية للأفراد والجماعات والدول والعلاقات الدولية، في معركة بين شخصين أو بين مجموعات عرقية أو طائفية أو في الحروب الأهلية أو بين الدول في الحروب العالمية. الإرهاب أو العنف فعل ورد فعل، سبب ونتيجة، علة ومعلول، بداية ونهاية. وعادة ما يأخذ الناس الطرف الثاني ويصفونه بالإرهاب أو العنف ويتركون الأول، كما هو الحال في الجرائم المخلة بالشرف. يقتلون الضحية ويتركون الجلاد. يقتلون الفتاة ويتركون الفتى. يستعجبون ممن يصرخ كيف يصرخ، ولا يسألونه لماذا تصرخ؟ يعيبون عليه الألم ولا يرون الوخز، الشوكة في الجسد، والسكين في القلب الذي يسبب الألم. هذا ليس تبريراً للعنف بل محاولة لفهمه دون أخذ صف طرف على حساب الطرف الآخر. وفهم الصراع وقوانينه جزء من حسن إدارته. وهناك فرق بين ممارسة العنف في الداخل وممارسته في الخارج، لكل ظروفه ونشأته ودوافعه. قد يكون العنف في الداخل رد فعل على حالة القهر الذي تعيشه بعض المجتمعات. وقد يكون رفضاً لمظاهر الظلم الاجتماعي والفساد الإداري والمالي حين تعجز أحزاب المعارضة الرسمية والقوى الاجتماعية عن تغيير الأمر الواقع. وهو أحد أسباب الهبّات الشعبية والحركات الجماهيرية بل والانقلابات أو الثورات التاريخية. وقد يكون رفضاً لتهميش جماعات الاحتجاج واعتبار وجودها لا شرعياً في بعض الجمهوريات العربية. فهي تمارس العنف المضاد كوسيلة لإثبات الحضور، والظهور على الصفحات الأولى للصحف، وتصدرها نشرات الأخبار والقنوات الفضائية. تعود إلى الإعلام من الباب الخلفي عن طريق أخبار العنف وقتل الأبرياء. وقد يكون هو العنف المضاد ضد عنف الإعلام وكذب الأخبار ومدح الزعماء، وتزييف الحقائق، ورد فعل على معاناة المواطنين في دور العلم والدروس الخصوصية والقوانين الرسمية في أجهزة الدول التي تعطل المصالح أكثر مما تقضيها. فالعنف المرئي ما هو إلا رد فعل على العنف اللامرئي الناتج عن فرض أنظمة إعلامية ومناهج تعليمية وسياسة للأجور، وسياسات خارجية وتخطيط داخلي دون استشارة الجمهور بل خضوعاً لمصالح رجال الأعمال في الداخل أو القوى الكبرى وبيوت المال في الخارج. وفي الشريعة الإسلامية دماء المسلمين وأموالهم وحرماتهم حرام عليهم. ولا يجوز إهدار دم المسلم. فمن قتل نفساً فكأنما قتل الناس جميعاً، ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً، وهي قاعدة عامة في كل الشرائع السماوية. فالحياة صفة لله. هو الذي يعطيها وهو الذي يأخذها. والقصاص تقبل فيه الدية بموافقة الأهل. والمعارضة القديمة لم تكن بالعنف فقط كما كان يفعل الخوارج. بل كانت عند المعتزلة معارضة علنية، الرأي بالرأي، والحجة بالحجة، والبرهان بالبرهان. والحوار هو طريقة التعامل مع الخصوم دون تحديد أي طرف مع الحق. وهناك طرق مقننة في الشريعة لمواجهة نظام الحكم الظالم. تبدأ بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والنصيحة. وهي قاعدة الحسبة، الوظيفة الرئيسية للحكومة الإسلامية عند ابن تيمية وابن القيم. ويتجلى سوء الفهم في شعارات جماعات العنف التي تهدف إلى نقد الأوضاع الاجتماعية والسياسية الحالية أكثر مما تهدف إلى الحلول الإيجابية لتحديات العصر. والشريعة الإسلامية تقوم على أوضاع البشر. وضعت ابتداء دفاعاً عن المصالح العامة. وهي الضروريات الخمس: الدفاع عن الحياة ضد مخاطر الجوع والقحط والجفاف والتصحر والكوارث الطبيعية وأسلحة الدمار الشامل والأمراض المستوطنة والمستعصية، ثم الدفاع عن العقل ضد الجهل والخرافة والوهم والتقليد واحتكار المعلومات، فالحياة هي الحياة العاقلة. ثم الدفاع عن الدين ويعني القيمة المطلقة العامة الشاملة التي تتجاوز حدود الزمان والمكان، وما تعارف عليه البشر من بديهيات في السلوك الإنساني كحب الخير للآخرين مثل حبه للنفس، ومساعدة الضعفاء والمحتاجين، والنفور من إراقة الدماء. ثم الدفاع عن العرض والكرامة الوطنية والاستقلال الوطني وكل ما يخدش حياء الإنسان وشرف الأوطان. وأخيراً الدفاع عن المال أي الثروات الوطنية ضد التبديد والتبذير والاستغلال والضياع. والعنف عام لدى كثير من التيارات والقوى السياسية. يمارسه الماركسيون في الصراع الطبقي، والقوميون مثل الحزب القومي السوري الاجتماعي، والاشتراكيون في قمع المظاهرات والهبّات الشعبية، بل والليبراليون ضد خصومهم السياسيين أو حتى داخل أحزابهم كما حدث في انشقاق حزب "الوفد" أخيراً في مصر مما يهدد مستقبل الحزب نفسه. بل إنه ليس مقصوراً على المسلمين بل يُمارس في كل الثقافات باضطهاد المهاجرين العرب والمسلمين في الغرب، والجريمة المنظمة في الولايات المتحدة الأميركية، والعنف في أيرلندا الشمالية بين البروتستانت والكاثوليك، والعنف في سيريلانكا. إن طريقة مواجهة العنف المتبادل ليس بأجهزة إنفاذ القانون وحدها بل لابد من المواجهة الفكرية والسياسية مما يتطلب جواً من الحرية الفكرية والديمقراطية السياسية. فلا يوجد حكر على رأي أو إقصاء لطرف. ولا توجد "فرقة ناجية" هي فرقة الحكومة والأخرى ضالة هالكة وهي فرق المعارضة. وهذا يتطلب التعددية السياسية والسماح لأكبر قدر من التيارات الفكرية والقوى السياسية بالتعبير عن نفسها في جو من الأمان الفكري والسياسي. ولا يعني تداول السلطة، السلطة على التداول، هذا الفريق مرة، وذلك الفريق مرة أخرى. بل يعني الائتلاف الوطني، المشاركة لا المغالبة من أجل تحقيق وفاق وطني، واتفاق على برنامج عمل موحد، يحقق المطالب الوطنية للبلاد في تحرير الأرض، وحرية المواطن، والعدالة الاجتماعية، ووحدة الأمة، والتنمية المستقلة، وإثبات الهوية، وحشد الجماهير مع أكبر قدر ممكن من التعددية النظرية. فالحق النظري متعدد، والحق العملي واحد. وهو درس أصولي قديم.