نشرت مجلة "هارفارد بيزنس ريفيو" قبل حوالي سنة مقالة قصيرة بقلم "إديتاي باندي"، دعا فيها ذلك الباحث الشركات المتخصصة في برامج الحاسب الآلي إلى العودة إلى المدن الأميركية الصغيرة والاستفادة من الدعم الحكومي لإقامة المشاريع الصناعية ومشاريع الخدمات العلمية في الولايات المتحدة. وذكر أن بإمكان الشركات الاستفادة من الموجة الجديدة المسماة "أونشورنج" خاصة إذا ما توافرت مراكز علمية راقية تخرّج مجموعات متميزة من المبرمجين والباحثين. وهذه الدعوة لعودة الشركات المتعددة الجنسية إلى وطنها الأم وجدت تجاوباً كذلك من السياسيين الحريصين على دعم نقابات العمال الأميركية، بإعلان دعمهم للنداء التقليدي لهذه النقابات، بإبقاء الوظائف على الأرض الأميركية. وتقوم دعوة الشركات الأميركية إلى الوطن الأم على مقولة ترى أن نقابات العمال في الولايات المتحدة وفي الغرب قد وهن عودها، وأنها باتت تقبل بمستويات أقل من المرتبات السابقة خاصة في ضوء البطالة الحاضرة. كما أن تكاليف الشحن إلى الولايات المتحدة وأوروبا قد زادت بزيادة أسعار النفط، وبسبب الضرائب الباهظة على الوقود الأحفوري (ضريبة الكربون). فهذه الضريبة أصبحت تمثل نصف قيمة تذاكر الراكب على الطائرات المدنية التي تربط المدن الأوروبية بنظيراتها خارج القارة. كما أن خطر فقدان الشركات لجزء من ميزاتها العلمية والتقنية قد تراجعت بسبب التقليد في السلع بالبلدان الآسيوية، كما أن تزايد تكلفة العمالة في الصين قد يقلص من الفجوة الضخمة في تكلفة الأجور بين الجانبين. غير أن النقطة الرئيسة في هذا الطرح ترتكز على أن السياسات الحكومية، سواءً في أوروبا، أو في الولايات المتحدة، أصبحت أكثر حمائية من ذي قبل. فعلى الأقل كان الاتحاد الأوروبي في الماضي يمارس حماية قوية على السلع الزراعية المستوردة، أما اليوم فقد امتدت هذه الحماية لتطول أيضاً السلع الصناعية. وبسبب الكساد القائم فإن هذه الدول قد تبني حواجز جمركية وتجارية أكبر مع منافسيها من الدول الصناعية، وخاصة في البلدان سريعة النمو مثل الصين والهند. وتتزامن هذه الدعوة مع ضغط الولايات المتحدة على الصين لرفع سعر صرف عملتها، لجعل السلع الصينية تباع بسعر أعلى في الأسواق الأميركية والأوروبية عما هو عليه الحال في الوقت الحاضر. ويرى السياسيون الداعمون لهذه الفكرة أن الرأي العام سيدعم هذا التوجه لأنه قد يقلص من الزيادة الهائلة في تدهور ميزان المدفوعات، وخاصة مع الصين. وتحرص بعض المجلات الوطنية مثل "الأميركان إنترست" على نشر مقالات تنادي بدعم هذا التوجه، وإعادة الوظائف إلى أميركا، مدعية أن الموظف الأميركي أكثر إنتاجية وأكثر مهارة من منافسه الآسيوي. وتشبه الحملة الحالية، الموجة التي شاعت في السبعينيات والثمانينيات إبان الأزمة الاقتصادية التي عصفت بالعالم العربي، بعد الثورة النفطية. ففي كل أزمة اقتصادية يمر بها الغرب، نرى أن هناك دعوات لما يسمى بالاستقلال في مجال "الطاقة" وهي دعوات اقتصادية وطنية تشبه الدعوات الحالية. وتلعب الحكومات المعنية بالغرب دوراً في إجبار الشركات المتعاقدة مع الحكومة على أن تلتزم بنسبة 15 في المئة من المواد والخدمات الموردة للحكومة وضمان أن هذه النسبة هي من إنتاج وطني. هل هذا يعني انتهاء أيديولوجية حرية التجارة العالمية. الحقيقة أن مناصري هذه الأيديولوجية التي سمحت للشركات بعولمة الإنتاج طيلة العقود الثلاثة الماضية، باتوا يدافعون عن حرية التجارة الخارجية، معتبرين أنها توظف مبادئ آدم سميث في التخصص بالتجارة بين الدول، لأنها توفر على جميع المجتمعات تكلفة إضافية لإنتاج سلع في بلدان غير متخصصة أو غير مؤهلة لإنتاجها. ويرى أنصار هذه المدرسة أن تركيز وتعميق تخصص البلدان الغربية في السلع ذات التقنية العالية، من شأنه أن يزيد العائد على القيمة المضافة للسلعة، تاركة جزءاً صغيراً من قيمة السلعة للدول كثيفة العمالة، مقارنة بالجزء الأكبر الذي يدفع لقاء العائد على استخدام حقوق التقنية الصناعية والبرمجيات. كما أن تركيز المجتمعات الغربية على الصناعات والتقنيات المتقدمة من شأنه كذلك أن يرفع من مستوى المرتبات لهؤلاء المتخصصين في هذه الصناعات الدقيقة. غير أن الدعم الحكومي لإعادة توطين الشركات العالمية في أوطانها الأصلية لن يستمر طويلاً لسبب بسيط وهو أن معظم البلدان الصناعية تعاني من عبء المديونية. وإذا ما أعطت بعض التسهيلات المالية والدعم لإنشاء المصانع في المناطق الفقيرة فيها، فإن مثل هذا الدعم لن يستمر لأنه يثقل كاهل دافعي الضرائب. كما أن البلدان الغنية بالسيولة النقدية لم تعد موجودة في الغرب، فالأرصدة الحكومية في البنوك المركزية في الصين والهند وبلدان الخليج العربي، باتت تمثل جزءاً كبيراً من السيولة النقدية العالمية، ربما يفوق ما تستحوذ عليه البنوك المركزية في أوروبا والولايات المتحدة. وهذا التنافس بين العولمة الصناعية وتوطين الصناعات والخدمات سيظل مستمراً في المستقبل، وإن ضعف المد نحو الخارج، فإن الجزر نحو الداخل سيكون مؤقتاً طالما كانت اليد العاملة خارج الولايات المتحدة وأوروبا أرخص كثيراً من مثيلاتها في البلدان الصناعية.