إنه ذلك الوقت من السنة الذي ينصرف فيه انتباه الأميركيين إلى الانتخابات الرئاسية وبطولة لعبة البيسبول باعتبارهما من المؤسسات الأميركية الفريدة من نوعها التي لا يمكن التنبؤ بنتائجهما، هذا بالإضافة إلى ولاء الأميركيين لهما والضجة التي تحدثانها عادة. ولكن من الضروري أيضاً ونحن نهتم بما يجذب أنظار الأميركيين أن نُبقي أعيننا مفتوحة على الأزمة المستفحلة والمقلقة التي تعيشها أوروبا منذ فترة ليست بالقصيرة، ذلك أن هذه الأخيرة تظل هي السوق الأكبر في العالم والشريك التجاري الأول للولايات المتحدة، ولاسيما أيضاً أن أوروبا نفسها واصلت مسيرتها الاقتصادية المتعثرة على مدى الصيف المنصرم دون أن تتمكن فعلاً من إنهاء الأزمة المالية والخروج من مصاعبها الاقتصادية. فقد شهدت اليونان خلال الأسبوع الماضي على سبيل المثال كبرى مظاهراتها المناهضة لسياسة التقشف منذ أكثر من سنة، وتدهورت الخدمات الأساسية التي تقدمها الدولة للمواطنين بشكل كبير. والأمر ليس بأفضل من ذلك في بقية البلدان الأوروبية، حيث سُحب ما قيمته 30 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي من البنوك الإسبانية بسبب تخوف المستثمرين وتوجس المودعين. وحتى التفاؤل الذي ظهر مؤخراً حول الوضع في إيرلندا وقرب خروج ذلك البلد من أزمته أثبت أنه لم يكن في محله وأن التقديرات الإيجابية حول الاقتصاد الإيرلندي كانت مبالغاً فيها، هذا في الوقت الذي يواصل فيه الاقتصاد البريطاني التخبط أيضاً، بعدما سجل تراجعاً في الدخل المحلي الإجمالي لثلاث فترات متتابعة، فيما استمرت نسبة البطالة بفرنسا منحاها التصاعدي للشهر 16 على التوالي. وعلى الرغم من خطط دعم الاقتصاد وضخ السيولة في المؤسسات المالية التي انخرط فيها الاتحاد الأوروبي في المرحلة الماضية، إلا أنه لا يستطيع الاستمرار بلانهاية في الدعم في وقت تواجه فيه الموازنات عجزاً خطيراً، فأي خروج حقيقي من الأزمة الحالية يستدعي رجوع النمو الاقتصادي إلى سابق عهده، كما أن الاتحاد الأوروبي الذي وافق على مبدأ فرض رقابة على القطاع المالي وإعادة هيكلته لمنع تكرار التجاوزات التي أفضت إلى الأزمة لم يحدد بعد الآليات المتبعة لهذا الغرض ولا طبيعة المؤسسة التي ستشرف على القطاع المالي. ويتوقع المراقبون الأكثر تفاؤلاً ألا تباشر تلك المؤسسة عملها الفعلي إلا نهاية عام 2013. وفي غضون ذلك ستكون أوروبا، حسب مصادرها الرسمية، قد دخلت فعلياً في مرحلة الركود الاقتصادي. وإذا كانت هذه المصاعب التي تواجهها أوروبا تعنيها هي بالدرجة الأولى، إلا أنها أيضاً تستحق منا في الولايات المتحدة التأمل والانتباه، فلو غرقت أوروبا في موجة من الفشل المصرفي وتعمقت لديها الأزمة الاقتصادية، فإن ذلك ستكون له عواقب وخيمة على الاقتصاد المتخبط في أميركا. والحقيقة أن ألمانيا التي تعتبر الاقتصاد الأول والأقوى في أوروبا تقع في صلب هذه المعمعة، إذ من غير الممكن لأوروبا العمل بشكل منسق وجماعي دون موافقة برلين وانخراطها الفعال. وعلى رغم ما تبديه ألمانيا من حذر في الإنفاق وقيادة الاتحاد، إلا أن ذلك لا يعفي قطاعها المصرفي هي أيضاً من بعض المتاعب، فعلى قمة القطاع المالي الألماني تتربع مجموعة من البنوك العملاقة مثل "دوتش بانك" و"كومرز بانك" و"آليانز" التي ما زالت حتى اللحظة بعيدة عن الأزمة، ولكن في المستوى الثاني من القطاع المكون من تسعة بنوك تابعة للدولة، فقد عانت من خسائر فادحة بسبب استثماراتها عقب اندلاع الأزمة العالمية. هذا بالإضافة إلى أكثر من ألف بنك محلي صغير تعاني هي الأخرى ولن يكون سهلاً بالنسبة لها التعامل مع جهاز رقابي أوروبي في حال إحداثه. وبالطبع توجد مقاومة شديدة في بعض الأوساط الأوروبية، ولاسيما المجتمع المدني وبعض الأحزاب السياسية، وموجة من الالتفاف حول القطاع المالي لإنقاذه من تجاوزاته التي كانت وراء اندلاع الأزمة الاقتصادية. وعلى رغم الترحيب الذي قوبلت به الإجراءات الأوروبية الأخيرة لإنقاذ الوضع من خلال ضخ السيولة في البنوك وشراء البنك الأوروبي المركزي للديون المستحقة، تبقى التدابير المتبعة غير كافية لتحفيز النمو، بحيث يتطلب الأمر، حسب المحللين، اجتراح إصلاحات جوهرية تهم سوق العمل، وتشجيع الشركات بمدها بالقروض، كما أن العامل الأساسي الذي سيحدد نجاح الجهود الأوروبية يكمن في درجة أكبر من التنسيق بين البلدان المعنية والاتفاق على صيغة لمراقبة الصفقات المالية، بالإضافة إلى ضبط الموازنات الأوروبية بما ينسجم مع الأهداف المرسومة لخفض العجز وتقليص الديون. وعلى رغم ما يشير إليه البعض من مساوئ التقشف وتأثيراته السلبية على النمو الاقتصادي، إلا أنه يظل إجراء ضرورياً لوقف نزيف الإنقاق غير المسؤول الذي أوقع أوروبا في مشاكلها الحالية. بل أكثر من ذلك أن الأوروبيين في هذه المرحلة سيكون عليهم تدبر أمورهم بأنفسهم بالنظر إلى صعوبة تدخل القوى الأخرى لإنقاذ "اليورو"، سواء تعلق الأمر بالولايات المتحدة، أو اليابان، أو حتى الصين، بسبب مشاكلهم الاقتصادية الخاصة، وفي حال تدهور الوضع الاقتصادي في أوروبا وساءت الأمور فستكون الولايات المتحدة أكبر المتضررين، بحيث ستفقد سوقاً كبيرة، هذا ناهيك عن التداعيات السياسية واحتمال صعود اليمين المتطرف في أوروبا نفسها. ---------- بيتر جولدمارك مدير الموازنة السابق في ولاية نيويورك ---------- ينشر بترتيب خاص مع خدمة "إم. سي. تي. إنترناشونال"