لا شك أن ما حدث من إساءة للإسلام ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم والمسلمين في الآونة الأخيرة، هو أمر يتطلب القراءة المتأنية للحدث نفسه، القراءة التي تُظهر وجود أهداف سياسية بعيدة تحرك مثل هذه الأحداث المتكررة، كما تشير إلى أياد خفية تعبث من خلف الستار. وهذا ما يجب الانتباه إليه وفهمه في أي تعليق على مثل هذه الأحداث، خاصةً وأن المنطقة تمر بحالة شديدة من الاضطرابات والتوتر. إن المتأمل في هذه الأحداث، يجد أنها غالباً ما تنطلق من منظور ديني، لكنها في الأساس تتحرك من منظور سياسي يحمل في داخله أجندات وخرائط لها مخاطرها على المنطقة العربية. وبالتوقف عند هذه النقطة، يمكن الإشارة إلى ما قاله الكاتب البريطاني المتخصص في شؤون الشرق الأوسط، روبرت فيسك، في مقاله نشرته له صحيفة "الإندبندت" مؤخراً، وقد لخّص فيه هذه الإشكالية وآثارها السياسية عندما قال: "إن الغرب دائماً ما يسعى لإشعال الحرب في الشرق الأوسط، من خلال إثارة مشاعر المسلمين واستفزازهم بشتى الوسائل حين يغضبوا وينتقموا، فيثبت الغرب اتهاماته العنصرية للإسلام بأنه دين عنيف، وعندها تندلع المواجهات ويشتعل العالم الإسلامي...". وإذا رجعنا إلى حيثيات الفيلم نفسه الذي أثار هذه الإشكالية، سنجد أن هُناك دوافع عديدة متداخلة دفعت إلى التوجه نحو تبنيه، وأعني بذلك أن تحريك الموضوع جاء بعد سنة من عرض الفيلم في دور سينما صغيرة هامشية لم يشاهده فيها أحد. ولأنه فيلم رديء وساقط بجميع المعايير، فقد حاولوا دبلجته وإرساله إلى الشرق الأوسط لإثارة الفتنة، وكان من مصلحتهم أن يكون للفيلم علاقة بأحداث 11 من سبتمبر، ليكون له صدى في الانتخابات ويستفيد منه المتطرفون في تكريس فكرة العداء بين الغرب والعالم الإسلامي. ويؤكد كثير من المحللين والخبراء في شؤون المنطقة، أن بثه عمل مبيت ومدروس بهدف إخراج المسلمين عن طورهم، والسعي من خلال ذلك لخلق نوع من الفتنة والصراع الطائفي والعرقي والديني في المنطقة، وذلك باستفزاز المسلمين ودفعهم لاتخاذ مواقف متشددة تجاه الأطراف الأخرى، بما يفتحه ذلك من أبواب للتدخل الخارجي. ويذكر هنا أن أقباط المهجر الذين اشتركوا في إنتاج الفيلم، حسب العديد من الصحف، تربطهم علاقة مباشرة بإسرائيل واللوبي الصهيوني في أميركا، فموريس صادق، رئيس "الجمعية الوطنية القبطية الأميركية"، أرسل خطاباً لرئيس الوزراء الإسرائيلي يطلب منه التدخل لحماية أقباط مصر، والسماح لهم بافتتاح سفارة قبطية في القدس، كما طلب مساندة الولايات المتحدة وأوروبا وروسيا والفاتيكان لأقباط مصر ضد "الإرهاب الإسلامي"! وكما نعلم، فهناك العديد من النظريات السياسية التي صيغت خلال العقود الثلاثة الماضية من قبل مفكرين غربيين، تشير إلى أن المنطقة العربية مقبلة على فتن طائفية وحالة من التقسيم، وإلى أن تشجيع الصراع فيها أصبح من الأمور الواردة لتسريع الوصول إلى ما تطرحه بعض مراكز البحث الأميركية من أفكار وأجندات وخرائط. وهناك دعم معلن وغير معلن لتلك الأفكار والأجندات والخرائط، وفق مصالح الداعمين، وبما يغذي مصادر الصراعات، ويساعد على إيقاظ الكراهية بين شعوب المنطقة وبينها وبين الغرب.