تحت عنوان "ما ينتظرنا في العراق بالأرقام" نشرت "وجهات نظر" يوم الأحد 5-9-2004 مقالاً للكاتبين "مايكل أوهانلون" و"لينز دو ألبيكيرك"، وضمن ردي على هذا المقال فإنني بادئ ذي بدء أحيي في الكاتبين جرأتهما- وإن شابها بعض التملق أحياناً- عندما ردا على بوش وبكل صراحة بأن تلك الإنجازات التي يزعم أنها تحققت في العراق والتي تحدث عنها في خطابه الذي ألقاه في اليوم الأول لانعقاد مؤتمر الحزب "الجمهوري" لا تزال بعيدة عن الواقع.
ومع كل أسف هذه الإنجازات كذب في كذب وتتنافى في تقديري مع الواقع المعاش في العراق، والذي أرى أن مرده هو الوسيلة المتبعة لتحقيق تلك الإنجازات، فليس بتسليم سلطات صورية، ولا إقامة حكومة مكسورة الجناح فاقدة المصداقية، ولا بتكوين جيش يفتقر إلى الإمكانات اللازمة، يمكن أن يصل العراق إلى بر الأمان.
وضمن هذا الإطار لا تزال التجربة الأفغانية ماثلة للعيان، فقرضاي الذي جاء بصفته رئيساً مؤقتاً لا يزال على رأس السلطة ويتهيأ لتوليها في الانتخابات المقبلة، في حين لو كانت الولايات المتحدة جادة في مسعاها إلى تحقيق الديمقراطية في ذلك البلد لاستبدلت قرضاي بمرشح آخر.
أما في العراق، فإن استمرار الانهيار الأمني لابد أن يخدم مصلحة جهة ما أو عدة جهات، وما دام الكاتبان لا يعتقدان أن الانفلات الأمني يعزز استمرار التواجد الأميركي في بلاد الرافدين، فلماذا لا تكشف لنا الحكومة الأميركية هذه الجهة أو تلك الجهات وهي التي قلبت العراق رأساً على عقب بحثاً عن أسلحة مزعومة لا وجود لها.
لقد استغربت من الكاتبين وهما يصفان ماهية التصور الواقعي بظلامه الدامس الذي بلغ 80 في المئة في استطلاع رأي العراقيين، بدءاً من جبهة إعادة إعمار العراق، مروراً بالتواجد المكثف للقوات الأجنبية المتواجدة هناك، وانتهاء بعجز تلك الحكومة عن توفير غطاء دولي لعملياتها في العراق، وبعد ذلك يتكلمان عن بقعة ضوء باستعادة العراقيين لحرية لم نرَ منها إلا حرية الموت واستقواء فئة على أخرى، أي تبادل مراكز القوى بين الطوائف في البلد. أما على الصعيد الاقتصادي فإما أن كاتبينا مصابان بعمى الألوان كونهما أشارا إلى أن معظم الخدمات الضرورية في العراق عادت إلى سابق مستواها؛ فكيف لنا أن نصدق بأن نسبة 5 في المئة التي تم إنفاقها فقط لإعادة إعمار العراق من جملة المبالغ صادق عليها الكونغرس رغم ضآلتها يمكنها أن تعيد ولو جزءاً يسيراً من حالة الوضع السابق دون أن ننسى ارتفاع نسبة الجريمة والهجمات على منشآت الطاقة، إلا إذا كان هذا هو السبب الذي دفع الكاتبين إلى كتابة مقال يعكس جزءاً من التملق الذي تحدثت عنه سابقاً.
بتار ولد محمد المختار - موريتانيا