منذ نشرت مقالي "الثورة الشاملة في مواجهة ثلاثية الزمن" وتعليقات قرائي الكرام تتوالى مبدية ملاحظات نقدية مهمة حول الأطروحات المختلفة التي قدمتها. وفي مقالتي الأخيرة "البحث عن الاستقرار والعدالة الاجتماعية" وردت عبارة مهمة أقول فيها "لا يمكن تحقيق التنمية المستدامة بغير الالتزام بنسق رئيسي للقيم يضبط سلوك الناس ويدفعهم للعمل الجاد في ضوء رؤية استراتيجية". وقد تساءل الدكتور "علي فرج" أستاذ الهندسة بجامعة لويزفيل وهو أحد القراء المتابعين لما أكتب "كيف سيتولد لدى الناس نسق رئيسي للقيم في ظل ضبابية الوضع في مصر". والواقع أن موضوع القيم ينشغل به علماء الاجتماع في كل أنحاء العالم لإدراكهم أنه لا تنمية ولا تقدم بغير نسق متكامل من القيم، يؤسس في ضوء العالمية والخصوصية في الوقت نفسه. ونعني بالعالمية هنا أن المجتمعات الإنسانية المعاصرة تعيش في الواقع في ظل حضارة واحدة هي الحضارة التكنولوجية والمعلوماتية. ولكن لكل منها في الوقت نفسه خصوصيتها الثقافية النابعة من التاريخ الاجتماعي الفريد لكل مجتمع. ومن ثم تقع على عاتق الفلاسفة والمفكرين في بلادنا محاولة التأليف الخلاق بين ما يطلق عليه في الخطاب العربي منذ عقود "الأصالة والمعاصرة"، بمعنى كيف يمكن أن تكون مرتبطاً بتراثك بصورة منفتحة ووفق قراءة نقدية بصيرة بغير أن تفقد الصلة بنسق القيم العالمي الذي يهيمن على المناخات الثقافية في كل بلاد العالم بتأثير العولمة التي جعلت العالم كلاً متصلاً شعوباً وثقافات. وحين فكرت في الإجابة على السؤال المهم الذي طرحه عليّ القارئ الكريم تبادر إلى ذهني -وخصوصاً وقد أشار بدقة إلى ضبابية الوضع في مصر- أنه لا يمكن ترسيخ القيم بعيداً عن التربية من جانب، والردع بالقانون من جانب آخر. وموضوع التربية متعدد المجالات، ويزخر بالاتجاهات الفكرية المختلفة التي قد تتصارع مع بعضها بعضاً، وفق الإيديولوجيات التي يتبناها المتناظرون في حلبة القيم، وتصبح مسؤوليتنا كعلماء اجتماع ومثقفين بوجه عام، كيف نصوغ مفاهيم وسطية في كل مجال من مجالات القيم لا تتطرف ناحية اليمين ولا تنزع ناحية اليسار، إن صح التعبير. ولنبدأ بالأهمية القصوى -في مجال ترسيخ القيم- للتربية الدينية سواء في الدين الإسلامي أو في الدين المسيحي. وفي هذا المجال نلاحظ أنه قد سادت في العقود الأخيرة نزعات متطرفة إسلامية كشفت عن نفسها في حركات إسلامية إرهابية مارست الإرهاب الصريح من ناحية، وتيارات أخرى تبنت مفاهيم دينية مغلقة، سواء اتخذت شكل التيارات "الإخوانية" أو التيارات السلفية. وفي نفس الوقت شهدنا تيارات مسيحية متعصبة، ليست لديها القدرة على التعامل مع الآخر، وتنطلق هي الأخرى من منطلقات تعصبية غير مقبولة. وتصبح المهمة الرئيسية هي كيف نصوغ رؤى دينية وسطية، ويمكن للأزهر الشريف، كما فعل في "وثيقة الأزهر" التي شاركت في صياغتها -أن يعلب دوراً أساسياً في هذا الاتجاه، كما يمكن للكنيسة القبطية وفيها، مفكرون معتدلون، أن تسهم في هذا الجهد بصياغة رؤية دينية وسطية تتلاقى مع الرؤية الوسطية الإسلامية. ويبقى بعد ذلك أن تنتقل هذه الرؤى إلى برامج التعليم التي ينبغي تطويرها. ومما يبعث على الأمل أن كتاب التربية الوطنية الجديد فيه لأول مرة آيات من الإنجيل، تأكيداً لمبدأ المواطنة وترسيخاً للوحدة الوطنية. وللإعلام دور خطير في الالتزام بهذه الرؤى الدينية الوسطية. ولدينا بعد ذلك ما يطلق عليه في علم السياسة "الثقافة المدنية" Civic- Culture وهي تعني تعليم المواطنين الحقوق والواجبات في ظل مبدأ المواطنة كما أنها تشجع على المشاركة السياسية، والقيام بأدوار اجتماعية في ظل نشاطات مؤسسات المجتمع المدني، باعتبار أن هذا النمط من التربية ضروري لازدهار الديمقراطية نظرية وممارسة. وفي هذا الإطار لابد من التأكيد على أن هناك فروقاً جسيمة بين الحرية والفوضى. وهذه الفروق اختفت للأسف الشديد بعد ثورة 25 يناير، حيث سادت المظاهرات والمليونيات، وتصاعدت حركات الاحتجاج التي ترفع مطالبات من المستحيل لأي حكومة أن تحققها. ويمكن القول إن الفوضى العارمة هي الوصف الدقيق لما يسود المجتمع في الوقت الراهن. وليس هناك من سبيل سوى ترسيخ قواعد الثقافة المدنية ورفع الوعي الجماهيري المتدني الذي شاركت النخبة السياسية الانتهازية في استشرائه بزعم أن المظاهرات والاعتصامات حق مقدس، وأنه لا يجوز فضها بالقوة لأن ذلك -في زعمهم- ضد مبادئ الثورة وضد حقوق الإنسان! وهو قول باطل يرتدي ثوب الحق. ونستطيع أن نضيف -بالنسبة للبحث العلمي- أهمية التربية الأكاديمية التي تركز على قواعد الأمانة في استخدام المراجع، والحرص على احترام قواعد الاقتباس، وعدم الوقوع في فخ السرقات العلمية الفجة، كما هو شائع الآن في مصر للأسف الشديد. غير أن التربية ليست سوى أحد المداخل الرئيسية لترسيخ نسق القيم، إلا أنه لابد أن تصاحبه ثورة تشريعية تقوم على أساس استخدام تشريعات جديدة، أو تعديل القوانين القائمة، لتقوم بمهمة الردع القانوني العنيف لكل من سيخرج على القانون. في القانون الجنائي لابد من تغليظ العقوبات على من يقطعون الطريق ويقتحمون المنشآت العامة أو يغلقون أبوابها بالضبة والمفتاح إلى أن تتحقق مطالبهم المالية، وأغلبها مزايدات فجة تتعلق بمضاعفة المرتبات والمكافآت والحوافز، مع أن أغلب المطالبين بذلك لا يعملون أصلاً أو يتكاسلون في أداء وظائفهم! وفي تقديرنا أن هذه الجرائم الخطيرة تستحق -وفق محاكمات عاجلة- أن توقع على مرتكبيها عقوبة الأشغال الشاقة المؤبدة، لردع كل من يقطع الطريق أو يغلق المصانع بحجة الإضراب، أو يوقف عملية الإنتاج، أو يرهب الآمنين. كما أن القانون الإداري يحتاج إلى ثورة في مجال العقوبات التأديبية، تتيح الفصل الفوري -بشرط تحقيق الضمانات القانونية للمتهمين- للموظفين الذين يمتنعون عن أداء وظائفهم، والقانون العمالي يحتاج إلى ثورة مماثلة، تسمح بفصل العمال الذين يغلقون المصانع، ويمنعون زملاءهم من دخولها، بل ويمنعون خروج المنتجات من المصانع. ولا يمكن الحديث عن ترسيخ القيم بغير تفعيل مبدأ تكافؤ الفرص ومنع المحسوبية والواسطة، ومكافحة الفساد الاقتصادي والفساد الإداري، وإلغاء المرتبات غير الشرعية التي يحصل عليها عشرات المستشارين في الوزارات والمصالح والشركات على حساب باقي العاملين، والرقابة الشديدة على إهدار المال العام، وضمان ترشيد الإنفاق ولتكن الحكومة هي النموذج في ذلك. وبعبارة مختصرة لترسيخ نسق القيم لابد من ثورة تربوية في المجالات التي أشرنا إليها، غير أن التربية بذاتها لا يمكن تفعيلها بغير ردع قانوني عنيف لا يميز في تطبيق القانون بين مواطن وآخر، وفي الوقت نفسه يثبت للكافة أن هناك دولة ينبغي احترام مؤسساتها، وأن هناك قانوناً لابد أن يحترم، وأن الديمقراطية لا تتسامح مع التسيب، كما أن الثورة لا تعني الفوضى التي نراها الآن سائدة في مجالات الحياة في مصر. تربية نعم، ولكن مصحوبة بالردع القانوني العنيف!