منذ زمن بعيد لم أشهد هذا الحضور الكثيف لندوة عامة في الإمارات، فقد كان حضور المواطنين مميزاً في الندوة التي عقدت أول من أمس تحت عنوان "الإمارات في ظل ظروف الربيع العربي وحراك الإسلام السياسي" فقد امتلأ مسرح جامعة زايد بأبوظبي، الذي يتسع لألف شخص وتم فتح قاعة جانبية تتسع لأربعمئة شخص آخرين. ومثل هذا الحضور في السابق لم يكن يتحقق إلا في المحاضرات التي يلقيها أحد "نجوم" الجماعات الإسلامية أو بعض الدعاة الحقيقيين، أي في المحاضرات الدينية فقط، أما في محاضرة سياسية ووطنية فهذه تعتبر من الحالات النادرة. هذا يؤكد أننا اليوم أمام مشهد سياسي وواقع جديد في الإمارات والمواطن الإماراتي أصبح يستشعر ما يحاك ضد وطنه ومستقبله وبالتالي فإنه يريد أن يعرف أكثر وهو يسعى وراء حقيقة تلك المجموعة التي تم إلقاء القبض عليها منذ أشهر ويتم التحقيق معها والتي اعترف بعض أفرادها بمعلومات مهمة والتي يدعي بعض أفرادها أنهم أبرياء. وفي جميع الأحوال يريد الناس أن يتأكدوا من ذلك، فالمواطن الإماراتي بطبعه متعقل وغير متسرع في قراراته، ويهمه أن يعرف التفاصيل قبل أن يصدر حكماً على أحد، لذا حضر ذلك العدد تلك المحاضرة ولذا نلاحظ أن الكثير من المواطنين التحقوا بـ"تويتر" مؤخراً وأصبحوا يتابعون بعض الأشخاص من الطرفين -المؤيدين للموقوفين والمعارضين لهم- محاولين أن يصلوا إلى الحقيقة ويعرفوا أولئك الموقفين أكثر وبالتالي يتخلصون من حالة التردد التي يعيشونها ويكون لهم موقف أوضح وأقوى من قضية تقلق الوطن والمواطنين منذ أشهر. المهم في هذه المرحلة أن يحسم المواطن موقفه، والأهم هو التكاتف والتعاضد الوطني والمجتمعي تجاه التهديد الذي يواجهه الوطن، فهذا أمر لا يمكن تجاهله أو التقليل من شأنه. لذا فالمطلوب من المواطن أن يكون واعياً ومدركاً لما يدور حوله، وهذا أمر تم تجاوزه بعد أن أصبح أغلب المواطنين إن لم يكن جميعهم يدركون ما يدور حولهم ويفهمون الخطر الذي يواجههم ويراقبون المجموعة التي تتربص بهم وتسعى إلى النيل من مكتسبات وطنهم. وفي وضع حساس مثل الذي تمر به المنطقة العربية كلها لم يعد كافياً أن يدرك المواطن ما يدور حوله بل الأهم أن يتخذ موقفاً مما يحدث ويكون عنصراً فاعلاً وإيجابياً في مواجهة تلك الأخطار. إن حرص المواطنين على الحضور والمشاركة يعني شعورهم بجدية الوضع الذي نمر فيه، وهو مؤشر مهم على مدى إدراك جميع فئات المجتمع لما يحدث، والأهم أن حضور الندوة كانوا من مختلف أطياف المجتمع، فكثير من المتدينين المعتدلين كانوا من بين الحضور، كما حضر أكاديميون ومثقفون وطلاب جامعات. والأهم كان حضور طلاب وطالبات الجامعات لهذه الندوة، فمن أجل فهم الواقع الذي يدور حولهم كان وجودهم ومشاركتهم في هذا اللقاء مهماً خصوصاً إذا أدركنا أن نشاط مجموعات كـ"الإخوان المسلمين" وغيرهم يكون مكثفاً ومنظماً بشكل أكبر في الجامعات والمدارس وفي أي تجمع يضم الشباب والفتيات، لذا فإن عقد هذا اللقاء في جامعة زايد بأبوظبي كان موفقاً، واستمرار هذه اللقاءات في الجامعات الأخرى وبشكل مستمر مطلب مهم. الأمر الذي لم يعد خافياً على أحد أن الإمارات تواجه هجمة متعمدة من جهات متعددة ويبدو كأن الأمر مخطط له، ويمكن استنتاج ذلك من خلال الهجوم والتهجم والحملات المنظمة والتهم الجاهزة التي لا تتناسب وسمعة الإمارات وتاريخها الناصع وسجلها الإنساني والتنموي، سواء في الداخل أم في الخارج والتي يعرفها كل من يعيش على أرضها ويتأكد منها كل من يزورها وفي أول مرة. وهناك محاولة للتشكيك في نجاح التجربة التنموية لدولة الإمارات والتقليل من أدائها العام في إدارة الشأن الوطني، ويبدو ذلك من خلال التركيز "المبالغ فيه" والمستمر من قبل أفراد تلك المجموعة على بعض النواقص القليلة في بعض الخدمات التي تقدمها الدولة، وتكرار الانتقاد وتوزيع التهم! كل ذلك دون المحاولة في المساهمة في حل تلك المشكلات أو تقديم أفكار عملية لتجاوز النواقص! مما يؤكد أن تلك المجموعة "متضررة" من النجاحات التي حققتها الدولة، وبالتالي فهي تسعى جاهدة للبحث عن أي شيء لتشويه الإنجازات والتقليل من شأن النجاحات، خصوصاً أنها تمارس سياسة صرف نظر مؤيديها ومن يستمعون إليها عن النجاحات التي تحققت والتقدم الذي تم إحرازه في مختلف المجالات! هذا الموقف من هذه المجموعة يصدم أي مواطن فضلاً عن المقيمين الذين يعيشون في البلد، فالجميع يرى مستوى الخدمات ويلمس العمل المستمر من أجل تحسينها ويلاحظ اهتمام الحكومة بمعالجة جميع المشكلات، وبالتالي فمن المفترض أن يكون تصرفها وتصرف الأغلبية مع أي خلل هو العمل مع الآخرين من أجل إصلاحه وليس الاكتفاء بالانتقاد والتقليل من عمل الآخرين وجهدهم. ومع وجود مثل هذه الندوة أصبح الخروج من دائرة ردود الأفعال إلى دائرة الأفعال هو الأهم في المرحلة الحالية، فلا يجب الانشغال بالرد على أقوال وأفعال تلك المجموعة التي تعيش تناقضاً دائماً وانفصاماً واضحاً بين الأفعال والأقوال. أما مناقشة القضايا الوطنية في لقاءات مفتوحة فتعتبر خطوة إيجابية تعكس نضج المجتمع ومستوى التفكير والمسؤولية التي يتحملها أفراده، فلم يعد منطقياً الاستمرار في مناقشة قضايانا المهمة في لقاءات خاصة وجلسات واجتماعات مغلقة، فلابد أن يعرف الجميع ما يحدث من حولهم، وينبغي أن يتشارك كل المواطنين في هموم الوطن ويشاركوا في إيجاد حلول لتلك الهموم والمشاكل والتحديات التي تمسهم وتمس مستقبل وطنهم وأبناءهم بشكل مباشر.