هي ليست مسألة كمين ينصبه الوزير لموظفيه بزياراته المباغتة- على رغم ضرورتها- ولا هي حكاية الموظف المتكاسل، المتغيب، غير المدرك لمسؤولية وظيفته·
انها مسألة متداخلة الأولويات والأسباب. فالإدارة الناجحة لا تعني تواجد الموظف على مكتبه إلى نهاية الدوام الرسمي بقدر ما هي مهمة صاحب العمل في اكتشاف المواهب الكامنة لدى موظفيه، ولعل سبب العلة في فشل الادارات الحكومية هي سياسة النوخذة التي يمارسها البعض.
فيكتفي النوخذة- المدير، بإصدار أوامره بصلافة وقلة خبرة وعدم اهتمام للجانب الانساني أو الاخلاقي في مدى قدرة الآخر على تنفيذ ما صدر إليه من أوامر فتتحول العلاقة إلى مجرد أوامر دون النظر إلى أهمية تطبيقها بطريقة مختلفة عن رغبة النوخذة، الأمر الذي يعني بالضرورة، الفشل الذريع·
فبعض المديرين يمارس تطرفا من نوع مختلف، فهو العارف، والآمر والمدرك لبواطن الأمور، والقادر على اكتشاف الأسرار، وهو الوحيد سبب نجاح مؤسسته، وهو مقتنع أنه صنع نجاحا منقطع النظير حين يحسب إطاعة الأوامر والتزام الموظف بمواعيد الدوام الرسمي نجاحا·
أمثال هؤلاء يحتاجون إلى ثورة تهدف إلى تغييرهم· لا بغرض اقصائهم عن مواقعهم، بل التغيير بمفهوم الادارة الناجحة الذي يذهب إلى خلق ثقافة مؤسسية جديدة تعتمد في عناصرها على جميع الموظفين دون استثناء·
فالتغيير من ضرورات البقاء الذي يستلزم عقليات واعية لماهيته ولافتراضاته المؤدية إلى التميز الحقيقي·
فالموظف المحبط الذي هرب من بيئة عمل رتيبة وغير قادرة على خلق حالة الشغف بالعمل، يحتاج إلى تفهم لسلوكه واستيعاب لقدراته الحقيقية·
فالتغيب لا يعني دائما اهمال الموظف، لأنه أحيانا يكون من موظف فاعل ومتميز لولا أنه أهمل من قبل مسؤوله وبالتالي صارت الأمور لديه متساوية، بل ربما قتل الموظف روتينا وورقية جعلته كالآخرين ينتظر فرصته للفرار من واقع يرفضه·
هي ليست قضية أعذار واختلاق شماعات مختلفة الأشكال والأحجام· هي مسألة مصيرية تعاني منها كافة القطاعات الحكومية التي مازالت لم تستوعب ضرورة التغير لانجاح الموظف لوظيفته، التغير الذي لابد وأن يصل إلى أكبر مسؤول وأصغر موظف·
هذا التغير لن يتأتى بأسلوب النواخذ أو البيروقراطية التي أغرقت الكثيرين بكثرة أوراقها· أزعم أنه سيكون بضرورة اعادة تقييم المسؤولين أولا ومدى صلاحيتهم الانتاجية في مواقع عملهم، ومدى قدرتهم على تقبل الجديد الجيد وادراك أهمية التعامل بكياسة مع الآخرين مهما كانت مواقعهم·
فالإدارة فن قديم دائم التجدد والاختلاف ودراسته لا تأخذ منحى التطبيق لدينا، كأنها مادة أدبية غير قادرة على اجتراح المستحيل الممكن·
الوزراء أنفسهم يحتاجون إلى زيارات مفاجئة لمراقبة حجم انجازاتهم طوال مدة المهمة الموكلة إليهم، ليس لعيب فيهم، بل لمتابعة حجم التغير المتوقع قبل شغله للمنصب وحقيقة التغير الحاصل أثناء وجودهم في مناصبهم الوزارية·
وقبل كل هذا نحتاج إلى عملية تغيير شاملة لعقلية النوخذة المسيطرة على البعض والتي بسببها تتردى الاوضاع وتزداد سوءا اداريا مروعا، فالغواص الخبير باللؤلؤ لم يعط فرصة القرار للغوص في الوقت المناسب، إنه تلقى أوامر نوخذته والتي تصدر عن مراقب وليس خبيرا بحقيقة الدانات وملح البحر وارتفاع الموج، فعندما يعود صفر اليدين ويتلقى عقابه، ينسى النوخذة تسلطه وأنه خسر بذلك صفقة ناجحة لأنه ببساطة لم يشارك الآخرين أداءهم في العمل الجماعي الفعلي·
وهنا تكمن المشكلة·