أستطيع بالكاد تصديق أنني في الشهر الماضي فقط، كنت داخل السفارة الأميركية في تونس، أتحدث إلى مواطنين تونسيين حول ضرورة تحقيق قدر أكبر من التفاهم بين الشرق الأوسط والغرب. ذلك أن المكان نفسه تعرض- في مفارقة شديدة -للاجتياح من قبل المحتجين الغاضبين الذين أضرموا النار في سيارات السفارة، وحطموا نوافذ مبناها، وأنزلوا العلم الأميركي من ساريته وأحرقوه، ووضعوا مكانه علماً أسود يرمز إلى الإسلام المتعصب، الذي يجسد عدم التسامح، والأصولية، وقهر المرأة والمعتدلين. بعد سنوات من العمل في الشرق الأوسط، استطيع مطمئنة القول إنني لا أخشى الإسلام، وإن ما يخيفني حقاً هو التطرف، سواء في صوره التي تتبدى في تلك المنطقة، من قبل المتشددين الغاضبين، الذين يحرقون الأعلام، ويلجأون للعنف؛ أو حتى في الولايات المتحدة- في صوره الأكثر دهاء- المتمثلة في الأفلام المسيئة والرسائل الإلكترونية الجماعية المعبرة عن الكراهية، هجمات وسائل الإعلام التي تقوم عن جهل بإهانة 1.6 مليار مسلم في مختلف أنحاء العالم، بسبب أعمال منسوبة إلى قلة قليلة منهم. والشيء الذي نخاطر بفقده وسط مشاعر التطرف المتفاقمة على الجانبين، هو تلك الفرصة التي لا تصدق السانحة الآن في الشرق الأوسط، والمتمثلة في تبلور عملية تحول جذري انطلقت من الشارع نفسه الذي يقع فيه مبنى السفارة الأميركية في منطقة وسط العاصمة تونس، لتمتد بعد ذلك إلى عدد من الدول العربية. وفي حين أن الإغراء قد يدفع البعض في أميركا الآن إلى تفضيل إدانة، أو هجر منطقة بأكملها هي وأهلها، إلا أنني أرى أن الوقت الراهن يدعو لتعزيز -وليس تقليص - التعاطي مع المنطقة والانخراط في مشكلاتها، إذا كنا نريد حقاً أن ندعم نموها، وحريتها، وديمقراطيتها، واعتدالها الديني. عمليات التحول قد تكون فوضوية ومرتبكة، مثلما حدث في العراق على سبيل المثال لا الحصر، فكما قال لي أحد رجال الشيعة إن "صدام كان يمثل غطاء خزان البخار الذي كان يكبت كل شيء تحته، وما أن جاء الأميركيون وأزالوا ذلك الغطاء من مكانه حتى انفجر الخزان بكل ما فيه من بخار مكبوت وترك العراقيين حائرين لا يدرون كيف يتعاملون مع نتائج الانفجار.” الفرق بين ما حدث في العراق وبين التغيرات العربية الراهنة هو أن الأخيرة كانت ذاتية الدوافع وعريضة القاعدة في آن. فالناس هم الذين أخذوا على عاتقهم عملية رفع غطاء "خزان البخار"، ودفع المنطقة بأسرها إلى مرحلة من الفوران السياسي والاجتماعي. ومن المؤكد أن ذلك الفوران المقرون بالاضطراب قد يكون في مصلحة مجتمعات المنطقة في المدى البعيد، وسيتبين أنه أفضل في مجمله من القمع المعوق المتخفي تحت غطاء الاستقرار الكاذب الذي كان سائداً في تلك الدول في السابق. كانت المنطقة قد تأخرت بشكل ملحوظ عن باقي العالم في مضمار التقدم الاقتصادي، والحريات السياسية، والتسامح، وكان ذلك بسبب عوامل عديدة منها : تركة الاستعمار التي عطلت عملية التصنيع، وكان هناك إلى جانب ذلك بعض الطغاة المدعومين في الأغلب الأعم، من الغرب، الذين قمعوا، الحريات الأساسية، والمجتمع المدني، وأفسدوا التعليم، بالإضافة إلى التطبيق المنغلق للدين. وإذا أخذنا كل تلك الظروف والعوامل التاريخية في الاعتبار، فلن نشعر بالدهشة، عندما نرى إفرازات ضارة لها، متمثلة في ظواهر مثل الإرهاب(سلاح الضعفاء)، والعنف، والجهل، والممارسات البربرية التي تتخفى وراء الدين، وقمع المرأة، والأقليات. فمن دون قدرة على التصويت، وعلى الحديث بحرية، والانخراط في النقاش العام، يكون السؤال المشروع هو: أين كان يمكن لمن ينخرطون في ذلك أن يجدوا منافذ أخرى للتعبير؟ وفي الوقت الراهن، تمر القوى التي أطلقتها اليقظة العربية بمرحلة من الفرز والتصنيف تستخوذ فيها الأصوات الأعلى ضجيجاً، والأكثر تطرفاً على القدر الأكبر من اهتمام الإعلام وعروضه. بيد أن تلك الأصوات لا تمثل الأغلبية، ولا تستحق ما تحظى به من أضواء. ولذلك فإنه بدلاً من التعميم، وشجب الدين الإسلامي بأكمله بجريرة فئة قليلة من أتباعه، يتعين على المراقبين الأوروبيين الدفاع عن الأصوات المتعقلة المستنيرة وسط هذا الكم من الصخب والضجيج. وهناك في الواقع أسباب تدعو للتمسك بالأمل منها أن المظاهرات والاحتجاجات الأخيرة كانت في المجمل أقل عنفاً من مظاهرات الرسوم الدنماركية المسيئة، كما كانت أكثر تعرضاً للإدانة من قطاعات واسعة من الجمهور المحلي مقارنة بالمظاهرات ضد الرسوم. وأميركا تأمل أن يعتلي المعتدلون القمة في عملية التحول، وذلك من أجل مصلحتهم ومن أجل مصلحتنا أيضاً. الوجهة التي تمضي إليها المنطقة تهم أميركا، خصوصا في عالم بات متصلاً مع بعضه ومعتمداً على ذاته مثلما هو عليه العالم الآن. وليست هناك منطقة يتجسد فيها ذلك مثل الشرق الأوسط، تلك المنطقة يرتبط بها أمن أميركا، واحتياجاتها من الطاقة، كما يرتبط بها دينياً قطاع معتبر من سكانها. لم يعد بمقدورنا تخيل أنه يمكن ترك الأصوات العاقلة المستنيرة، وأصحاب الرؤى الخلاقة في هذه المنطقة كي يدبروا أحوالهم بأنفسهم، فإما يتمكنون من الطفو والنجاة أو لا يتمكنون، فيصبح مصيرهم الغرق. فالوقت الراهن هو الذي يجب أن نفكر فيه من دون خوف، وبشكل منفتح، ومتسامح، ونتعاطى بحرية مع جزء من العالم يرتبط مستقبله ومستقبلنا معاً بروابط وثيقة. ------- جانيسا جانز ويلدر مؤسسة ومديرة "معهد الفرات" -------- ينشر بترتيب خاص مع خدمة "كريستيان ساينس مونيتور"